أزمة نقص الكتاب المدرسي.. فتش عن العدوان

امتحانات الفصل الاول تعيد قرع جرس المشكلة..

نائب المدير العام التنفيذي لمطابع الكتاب المدرسي:
وفرنا للفصل الدراسي الحالي 20 مليون كتاب فقط من خمسين مليونا، ونأمل توفير 50 ‎%‎ من كتب الجزء الثاني
أمناء مخازن مدارس:
عجز خيالي في الكتب المدرسية والكتب القديمة محدودة وليست بهيئة قابلة للتداول
طلاب:
– لم تعطنا المدرسة كتبا ومعاناتنا مستمرة ورصيد درجاتنا في تناقص
– نتشارك مجموعات في كتاب واحد.. ومستوانا الدراسي غير جيد

تحقيق/ سارة الصعفاني
يمر الوطن اليمني بظرف استثنائي لكن ثمة أمور لا يجوز التغافل عنها كونها تتعلق بمستقبل شعب ومصير أمة.. ولقد شاهدنا كيف أن المدارس لم تغلق أبوابها في ذروة القصف الهمجي.. لم يتخوف أولياء الأمور ولم يمتنع غالبية المعلمين عن التدريس تحت ضغط أزمة الرواتب لإدراك الجميع أن المعرفة طريق البلدان للحياة والأمل ، وبأن انتصار الوطن يكمن في صمود أبنائه رغم الإمعان في القتل والتدمير والحصار.
لكن ونتيجة لتكالب الظروف لم تتمكن وزارة التربية والتعليم من توفير الكتب المدرسية ووصلت أزمة الكتاب حتى أرصفة الشوارع والأكشاك التي اعتاد الناس على شرائها منها في السنوات الماضية .
واليوم ها نحن نقترب من امتحانات نهاية الفصل الأول من العام الدراسي الحالي ولم يحصل الآلاف من الطلاب على كتب هذا الفصل، ومع ذلك تجد مدارس ومعلمين خارج نطاق تفهم الواقع بفرضهم عقوبات ووضع أسئلة إجاباتها من بين السطور متجاهلين حقيقة غياب الكتاب المدرسي !
وحدها محلات التصوير حلت جزءا من المشكلة ولكن للمقتدرين فقط مستغلة الوضع بتصويرها الكتب في هيئة ملازم؛ ولأنها تعرف مدى ضرورة الكتب للطلاب فرضت أسعاراً مرتفعة في زمن الفقر المدقع ! سموه إحدى صور التوحش لأن المئات من الطلاب في أغلب المدارس الحكومية لا يجدون ثمن رغيف خبز للإفطار ولا ثمن رسوم الدراسة (200 ريال) ومستلزماتها من دفاتر وأقلام ؛ فكيف لهم دفع ثمن تصوير كتب، تصوير كتاب فقط لطالب في الصف الأول الابتدائي يكلّف 400 ريال !
وقبل أن يحل الفصل الدراسي الثاني يتساءل عبدالصمد أب لخمسة أبناء في عمر المدرسة كيف نرى مستقبل الوطن في عيون أطفال يشعرون بالفقر ويتعرضون للعنف والظلم لمجرد أنهم لا يمتلكون ثمن كتاب مدرسي توفيره مسؤولية دولة إذ لم أتمكن من توفير الكتب سوى لطفلين في الابتدائية واعتذرت من البقية ، ظروفي المالية يعرفونها.
أما رامي السامعي طالب في الصف السادس الابتدائي فيحكي معاناته لعدم توفر الكتاب المدرسي بقوله: تعرضت للضرب لأنني لم أكتب الواجب أو لم أحفظ الدرس.. لم تعطني المدرسة سوى كتابين !
وتتساءل خولة العثربي طالبة في الصف الثاني ثانوي: ” ماذا يعني أن تتشارك 12 طالبة في كتاب ؟ وكيف نلزم يوميًا بكتابة الواجب والمذاكرة في حين منازلنا متباعدة ؟ كيف للطالب أن يكتفي بشرح المعلم في الصف ؟ أي قدرة تمكنه من التركيز واستيعاب وكتابة ما يدون في السبورة وحفظ دروسه وحل فروضه المنزلية وتدوينها في زمن حصة مدتها نصف ساعة وبشرط التركيز مع شرح المعلم ؟
يكفي فقط أن معلمة أبسط مادة (التربية الإسلامية) تكتب عناصر الدرس فقط لكنها وضعت امتحانا صعبا يعتمد على سرد نقاط حفظ في حين أنها تعرف أن 23 طالبة فقط تمتلك كتابا من عدد 83 طالبة في الشعبة ! “.
أين المنطقية و الإنسانية من معاقبة طلاب لا يمتلكون كتبا ! حتى عبارة ( اشتري من التحرير ) التي لطالما رددت في المدارس لمن يعترض من الطلاب على إعطائه كتابا قديما لم يعد لها معنى بعد غياب الكتب المدرسية من أرصفة الشوارع وارتفاع ثمن المتوفر منها.
وحتى الكتب القديمة ليست بهيئة قابلة للتداول حيث الصفحات ممزقة أو مفقودة وكتابات لا علاقة لها بالمقرر وإجابات خاطئة لطلاب سابقين ! ما شعور الطالب عندما يرى رصيد درجاته في تناقص وعقوبات جسدية ونفسية ليس لإهماله لكن لأن المدرسة لم تعطه كتابا ؟
النقص في الكتب منذ الأعوام الماضية صحيح لكنه تفاقم بصورة يصعب احتمالها وغياب للعدالة المجتمعية حيث تتشبع مخازن مدارس بالكتب المدرسية وتختفي في مدارس ومناطق أخرى !
ومدارس منذ سنين لا تعطي طلابها سوى الكتب القديمة التي تستردها نهاية السنة الدراسية رغم تأكيدات مسؤولي وزارة التربية والتعليم كل عام أن الكمية ليست بذلك السوء .
وبسؤال أمناء المخازن في عدد من المدارس عن مصير الكتب المدرسية في مخزن المدرسة أتى الرد : هناك مدارس تحرق الكتب في ساحة المدرسة أو في مكب النفايات وأخرى تفتح المخزن الممتلئ بكتب قديمة لطلابها لنبش محتوياته وأخذ ما يريدونه أو يأتي موظف مكتب التربية لأخذها ، ومدارس تشترط حماية الكتب وإعطاءها لإدارة المدرسة مقابل دخول الطالب امتحان نهاية الفصل الدراسي أو استلامه حصاد درجاته ربما حتى يتسنى لها بيع الكتب الحديثة أو أنها تدرك أهمية المحافظة على الكتب ، ومدارس لا تسأل عن الكتب المستخدمة لمعرفتها أنها في الأغلب ليست قابلة للتداول مجدداً بدليل المخازن الخالية من الكتب .
بالتأكيد في ظروفنا الحالية عرف المجتمع أهمية الحفاظ على العملة و الكتب المدرسية نظيفة وبهيئة قابلة للتداول ، لكن يجب حالاً إنقاذ الوضع وإيجاد حل لمشكلة النقص الحاد في الكتب وليس طرح وزارة التربية والتعليم فكرة خيالية ( المذاكرة بالكتب الإليكترونية ) في زمن غياب الإمكانات المادية لبلد تحت خط الفقر يسعى المواطن فيه لامتلاك مجرد إضاءة ليلاً ! فضلاً عن المخاطر الصحية من الأشعة المنبعثة من الأجهزة الإليكترونية.
في مدرسة الكبسي المجاورة لمطابع الكتاب المدرسي في العاصمة صنعاء حصلنا من المدرس المشرف أكرم الشرجبي على كشف تفصيلي يوضح حجم المأساة التي تزداد سوءًا كلما اتجهنا للصفوف الأعلى ..فمثلاً في الصف الأول والثاني والثالث ابتدائي حصل أقل من نصف عدد الطلاب على كتب المقرر وعجز تام في توفير كتاب التربية الوطنية للصف الثالث، في الصف الرابع لم يحصل 108 طلاب على جميع كتب المقرر عدا كتاب الإسلامية لعدد 79 فقط ! وفي الصف الخامس تم توزيع كتابين فقط الرياضيات لـ 32 طالبا والعلوم لــ 89 طالبا فيما عدد طلاب الصف 116 طالبا ، وللصف السادس مقررين فقط لعدد 40 و 47 طالبًا في حين إجمالي عدد طلاب الصف 113 طالبا ! أما في المرحلتين الإعدادية والثانوية فالعجز خيالي لدرجة عدم توفر جميع المقررات !
ما يفرض السؤال.. إذا كان هذا واقع مدرسة في أمانة العاصمة ملاصقة لمطابع الكتاب المدرسي فكيف هو حال ما يقارب ستة عشر ألف مدرسة منتشرة على امتداد الوطن ؟ وما هي خطة وزارة التربية والتعليم واستعداداتها للترم الثاني من العام الدراسي الحالي؟
تواصلنا مع نائب المدير العام التنفيذي لمطابع الكتاب المدرسي محمد عبدالله زبارة ليطلعنا على الحجم الحقيقي لمشكلة نقص الكتب المدرسية الذي قال :
خطة وزارة التربية والتعليم للعام الدراسي الحالي بفصليه طباعة حوالي سبعين مليون كتاب بكلفة تزيد عن ثلاثة عشر مليار ريال، استطعنا بالتنسيق مع وزارتي التربية والمالية والبنك المركزي الحصول على قرض محلي بصكوك إسلامية بأربعة مليارات ريال كتمويل لطباعة حوالي 22 مليون كتاب فقط، ورغم كل الصعاب طبعنا حوالي خمسة ملايين كتاب للعام الدراسي الماضي وطبعنا البقية لهذا العام وتوقفنا عندما عجز البنك المركزي عن دفع السيولة النقدية في تعزيزات التربية بمستحقاتنا، هنا تدخل اليونيسف ووفر لنا مدخلات إنتاج الكتاب لحوالي خمسة ملايين وثلاثمائة ألف كتاب مع مساهمة حوالي 40 ‎%‎ فقط من مصروفات تشغيل طباعتها فبدأت عجلة الطباعة في الدوران.
وتابع :وفرنا للفصل الدراسي الأول ما يقرب من عشرين مليون كتاب من حوالي خمسين مليون كتاب حسب خطة الوزارة، ونأمل أن نوفر 50 ‎%‎ من الجزء الثاني المقدر بحوالي عشرين مليون كتاب وذلك إذا تمكنا من توفير بقية مصروفات تشغيل الطباعة بعد مساهمة اليونيسف وبما تبقى من المواد الخام؛ الأمر مناط بتوفير السيولة النقدية لمستحقاتنا في البنك المركزي.
وعن تفسيره لما حدث من نقص وتسريب للكتاب المدرسي حتى في الأعوام الماضية قال : لدينا خمسة مواقع طباعة في صنعاء وعدن والمكلا نطبع بحسب طلب الوزارة ونوزع الكتب مباشرة من مواقع الطباعة إلى جميع مكاتب التربية في المحافظات بحسب خطة معدة مسبقًا ، ومن سندات استلامها نحصل على مستحقاتنا وبها نشتري كل مدخلات الطباعة وندفع مرتباتنا ونوفر جميع مصروفاتنا لكن على الجهات المختصة اتخاذ اجراءاتها تجاه تسريب الكتاب المدرسي.. هناك تحقيقات وإجراءات قائمة الآن وإعلانها مسئولية الجهات الرسمية.
وعن المشكلات القائمة قال زبارة :نواجه إشكالات في ثلاث نقاط: استلام بقية مستحقاتنا من التربية حتى نستطيع شراء مدخلات الإنتاج للعام القادم وبقية مصروفات التشغيل لهذا العام، وهناك شبه توقف في القدرة على ترحيل الكتب بعد طباعتها نظراً لشحة الامكانات، ومشكلة مستمرة في توفير الطاقة الكهربائية.
ختامًا: إذا كنا ما نزال نشكو من كارثة عدم إجادة القراءة والكتابة والحساب لخريجي الثانوية نتيجة فشل المدرسة والأسرة وإهمال الطالب والمناهج المعقدة المكثفة فكيف يصبح واقع التعليم بعد اختفاء الكتاب المدرسي والحضور بدون تدريس أو التهاون في الشرح خاصة بعد أزمة الراتب، ولن نتحدث هنا عن مؤهلات المعلمين احترامًا لهيبة التعليم لكن أي معنى للتربية عندما يُعاقب الطالب يوميًا بالضرب بالعصا ونفسيًا بالإهانة واللعب برصيد درجاته لأنه لا يمتلك ثمن تصوير الكتب المدرسية الذي توفيرها مسؤولية حكومة ؟ ثم ما هي استعدادات وزارة التربية والتعليم للفصل الدراسي القادم ؟ وهل في وارد التفكير الطباعة التجارية للكتب المدرسية حتى يتسنى للطالب الحصول على الكتاب أو تصويره بسعر معقول إن لم تتمكن الوزارة من الحصول على مستحقاتها المالية ؟ أما أن يبقى الحال على ما هو عليه فإننا نوهم أنفسنا بوجود تعليم فيما يعيش الواقع التعليمي خليطا من المأساة والملهاة.

قد يعجبك ايضا