أغسطس 17, 2018 صنعاء 2:24 ص

الحكواتي الذي افتقدناه في رمضان

الحكواتي الذي افتقدناه في رمضان
مساحة اعلانية

 

عبدالوهاب الضوراني

من الشخصيات الشعبية والفكاهية التي افتقدناها في رمضان اليوم والتي كانت شائعة كثيراً في حياتنا وأجوائنا الرمضانية في الماضي شخصية الحكواتي الذي كان يتحفنا في ليالي رمضان وأمسياته الجميلة والساحرة بما تجود وتفيض به قريحته وملكاته من الحكايا والنوادر ومن السير الذاتية الشهيرة في التاريخ وفجر الإسلام كألف ليلة وليلة والسيرة الذاتية لأبو زيد الهلالي وعنترة بن شداد وقال الراوي وغيرها من الطرائف والأساطير والمصنفات التي كان يستمد مصادرها وإيحاءاتها من كتب كنوز التاريخ وحياة البسطاء من الناس في حارتنا والتي كانت تبدأ فعالياتها مبكراً ولا تنتهي وينفض الناس من حوله إلا مع ظهور الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر والديك يصيح من كوخ العمة أو السعد بائعة السنبوسة الشهيرة في حارتنا في رمضان.
ومن الحكواتية والرواة الذين تعاقبوا على حارتنا وأجوائها الرمضانية الواحد تلو الآخر في الزمن الجميل ولازلت أتذكرهم الحكواتي الخفيف الظل العيدروس الذي إذا تناهى صوته إلى مسامعنا أطربنا وأطرب الطير التي تحلق في السماء أيضاً..”يا سادة يا كرام لا يحلو الكلام إلا بالصلاة والسلام على سيد البشرية ورسول المحبة والوئام وآل بيته الكرام أما بعد ” ثم يسترسل في سرد الحكاية من أولها حتى نهايتها وكلنا حوله آذان صاغية.
ويقول السيد الأهدل صاحب المقامات الرمضانية الشهيرة في حب المصطفى من الصباح للمساء والشخص الوحيد في حارتنا الذي تربطه بالعيدروس علاقة وطيدة واستثنائية أن العيدروس كان يعتبر من كبار المعمرين في حارتنا وأنه جاء كالفاتحين على صهوة حصان من صحراء تهامة والربع الخالي وأنه بالرغم من تقدمه بالسن إلا أنه لازال يقوم بممارسة بعض الأنشطة والتمارين الرياضية والشبابية التي يعجز الفتيان عن القيام بها خصوصاً التدحرج يومياً على متن الدراجة الهوائية التي تعتبر هوايته المفضلة منذ نعومة أظافره، وإنه كان صاحب الفضل في إدخال مشروع السقاية ومياه السبيل في حارتنا الذي لازال قائماً حتى اليوم ويستفيد منه أكبر عدد من الأسر الفقيرة والمحتاجين، وانه الذي أعاد ترميم مئذنة مسجد ذو النورين التي كانت آيلة للسقوط على نفقته الخاصة، وإن الحارة شهدت في عصره العديد من المشاريع والخدمات المتنوعة، وإلى جانب أنه كان حكواتيا ممتازاً وبارعاً ومن الدرجة الأولى إلا أنه كانت له أيضاً بعض الاهتمامات والنشاطات الشبابية والوطنية وكان يقوم في شبابه بشكل أو بآخر بدعم ومساندة بعض الحركات والتيارات الوطنية المناوئة لنظام الأئمة في شمال الوطن ومقاومة الاحتلال البريطاني في جنوبه مما كان يجعله في معظم الأحيان عرضة لتعقب ومطاردة القناصة والمتنفذين وعساكر الإمام الذين كانوا يضيقون عليه الخناق مما اضطره آخر الأمر للنزوح إلى المنفى، وإنه عندما عاد إلى أرض الوطن أمر الإمام باعتقاله ومصادرة أمواله والزج به في معتقل القلعة وإنه أطلق سراحه عندما قامت الثورة.
ويضيف الأهدل قائلاً: إن العيدروس عندما تقدم به السن واعتلّت صحته اعتزل النشاط السياسي، واعتكف في قهوة الحكواتي الزوملة التي كان يمارس فيها بعض النشاطات السياسية، وكان يدعو الناس إلى مقاومة الفساد والتحرر من كوابيس الأنظمة الفردية الفاسدة ورفع الظلم الذي كان واقعاً على كاهل الناس الذين ضاقوا به ذرعاً مما كان يجلب عليه بعض المتاعب وأوجاع الدماغ.
ولعل العيب الوحيد والشائع في حياة العيدروس الذي كان يجعله هدفا للقيل والقال وألسنة السفهاء والبلاطجة وما أكثرهم في حارتنا أنه كان يتباهى دائما أمام الناس والغرباء الذين يلجون حارتنا في ليالي رمضان للمثول بين يديه في قهوة الزوملة، وكان شاهدا على عصر الانفتاح الذي طرأ على اليمن بعد الثورة المباركة، وكان حاضرا أيضا على خلفية انتفاضة الزرانيق وتمرد مشائخ تهامة على الإمام ولقد انضم بعد خروجه من السجن مباشرة إلى حركة الضباط الأحرار التي قامت بالانقلاب على نظام الإمام، وهو أول من اعتلى الدبابة المارد التي قامت ليلة الثورة باجتياح قصر دار البشائر في صنعاء وغيرها من الأقاويل والشطحات التي كانت تجعله في أسوأ الأوضاع المحرجة أمام حارتنا وأمام الذي يسوى والذي ما يسواش.
أيضا عندما طرأت عليه في آخر أيامه بعض التصرفات والعادات السيئة والمفاجئة عندما داهمه المارة يوما وهو يركض فوق الشاطئ حافي القدمين خلف كلب وينهال عليه بالحجارة حاشرا أطراف جلبابه الفضفاض والممزق بين نواجذه حتى كشف عن عورته التي كان يحاول أن يداريها أمام المارة بيده وهو يصرخ كالمجانين في أعقابه “أنت لست كلبا” أنت جاسوس ومرتزق تعمل لحساب دولة أجنبية.. الويل لك “عندما ابتدره أحد المارة قائلا وهو يشيعه يعدو مهرولا وراء الكلب الذي ولى منه هاربا وهو يرسل خلفه نباحا متقطعا انتهى كالعادة بحشرجة كالبكاء.. “يا عيدروس وحد ربك.. أول الجنان تعلام” عندما عثر عليه يوما مضرجا فوق الساحل بدمائه والمياه تغمره في أسوأ حادثة اغتيال مؤسفة شهدتها مدينة الحديدة في تاريخنا المعاصر والتي لا تزال تفاصيل ملابساتها يكتنفها الغموض وطي الكتمان حتى اليوم.

مساحة اعلانية

مقالات ذات صله