شذرات من تضحيات الأمهات (2)

سعاد الشامي

حكاوى الذكريات.. بين النهار والليل ثمة مجريات كثيرة ومعطيات عديدة وأمٌ تحمل فوق رأسها حزمةَ الحنين وروحها تتأرجح بين جبال الشجن ، لا تهدأ لوعتها حتى تتساقط من عينيها دموع لا تراها عيون المكان ، ولا تجففها مناديل الزمان، ولكنها تتسلل وتغلغل إلى القلب ، وتمر بين الدماء كماءٍ يغتلي ، يحرق العروق ويجعل نبضها في حالة من الخفقان الثائر ..
كل ذلك وما زالت تحصن نفسها بالتجاهل ، وتدعي اللامبالاة ، وتراود ساعات النهار بجدول أعمالٍ مزدحمة تطويها سريعا ، وتغالبها قبل أن تغلبها ، وترمي بها على حافة الوحشة ؛ مغلولة بقيد الفقد ومأسورة في متاهات الانتظار !!
وما إن تغيب الشمس ، ويحل المساء ؛ حتى تتوهج الأشواق المتقدة تحت رماد الغياب ؛ فتهرب الأم إلى فراشها وتنتظر أن تغط بالنوم ، ولكن سرعان ما يصل قطار الذكريات ؛ ليحملها في طريقه نحو أسفار حنينٍ شاق بين قاع الوجدان وآفاق الفقد لتبدأ الذاكرة باستعراض صور ابنها المجاهد منذ صغره ؛ فيضل النوم طريق جفونها ، وتظل عيناها تراقبان توالي تلك المحطات وهي تمرُّ من أمامها بسرعة انتقالٍ خاطفة ، وبطء ظلالٍ قاتل !!
صورة طفلها المولود وهي تحمله في حضنها لأول مرة، والسعادة تغمرها، والقبلات تسيل من ثغرها ، بعد أن فاقت من سكرات المخاض ، وبدأت فصول حياةٍ جديدة من عمرها كـ(أم) ، وفجأةً ترافقها صورة مولودٍ آخر مزقتْ جسدهُ طائراتُ الحقد والإجرام وفصلتهُ عن حضن أمه وحنانها.
*صورة طفلها الرضيع عندما يجوع ، ويظل يبكي ويرفض السكوت حتى ترضعه وتسقيه حليبها، وسرعان ما ترافقها صورة طفلة رضيعة تبكي وتحتاج إلى حليب أمها ؛ ولكن نيران القصف الرجيم أحرقت أمها وحولتها إلى جثة متفحمة!!
صورة طفلها عندما تذهب به إلى منزل آخر ، ويظل يهمس في أذنها هيا ماما نعود إلى بيتنا ، تباغتها صورةُ طفلٍ نازح يبكي ويطلب من أمه العودة إلى منزلهما الذي هدمته صواريخ الأعداء وأردته ركاما.
صورة طفلها عندما يأكل وجبته المفضلة بشغف وهي تستمتع وتضحك من منظر تناوله لها ، وفي الحال ترافقها صورة طفل يعض على أنامله من الجوع وأمه تحضنه وتبكي لأنها عاجزة عن أن تمنحه رغيف الخبز المفقود.
صورة طفلها وهو يحمل ألعابه ويطوف بها أرجاء المنزل ، تختطفها من أمامها صورة طفل يبحث عن بقايا ألعابه بين أكوام الركام.
صورة طفلها عندما يمسك أطراف عباءتها وهو يبكي بحرقة ويرغب باللحاق بها والخروج معها ، ترافقها صورة الطفل سميح وهو يبكي على جثة والده الذي قصفته طائرات آل سعود في مراسم عرس ويتمسك بها ويمتنع عن مفارقتها.
صورة طفلها عندما تلبسه الزي المدرسي وتودعه للذهاب إلى المدرسة، ترافقها صورة اشراق الطفلة التي استهدفتها شظايا الصواريخ وبترت قدمها وألقتها مع حقيبتها شهيدة على حافة الطريق .
وهكذا تظل صور ذكريات ولدها المجاهد تتوالى أمامها مترافقة مع صور المظلومية الجائرة التي ترتكبها قوى العدوان بحق أبناء وطنها المكلوم حتى تسمع صدى آية قادمة من خلف تلال الحنين تقول لها {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ } فينشرح صدرها وهي تتذكر تلبية ابنها لهذا النداء الرباني ونجاحها في زرع تلك القيم العظيمة التي جعلت ابنها مجاهدا …

قد يعجبك ايضا