لماذا استراتيجية “الصين 2025م” تقضّ مضاجع الغرب؟

 

وضعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجية “الصين 2025″ نصب أعينها، وحددت أهدافها تجاهها وبدأت بشنّ حرب تجارية ضد بكين في سبيل إفشالها، كما أن الدول الغربية، وخاصة ألمانيا أحسّت بهذا الخطر أيضاً، فأخذت تنسق مع واشنطن في سبيل وضع استراتيجية مشتركة من أجل وضع العراقيل أمام بكين ومنعها من تحقيق النجاح، فالغرب وبعد 10 سنوات استفاق متأخراً، وعوضاً عن التعاون مع الصين، أخذ يشنّ حرباً تجارية عليها رافضاً التنسيق مع خطط التنمية الرئيسية في الصين التي من ضمنها طرِيق الحرِير الجَدِيد المعروف باسم ” “الحِزام والطرِيق”.
ونريد في هذا المقال أن نشرح باختصار ما تفعله الصين، وفي المقالات المستقبلية، سنناقش بعض العيوب الأساسية لهذه الاستراتيجية الصناعية، وهنا يجب أن نفهم ما هي علامات التحذير التي سترسلها استراتيجية الصين 2025 للهيمنة الصناعية الغربية؟
بعد وصول شي جين بينغ إلى الرئاسة الصينية في الرابع عشر من مارس 2013، اقترح استراتيجية تعرف الآن باسم مبادرة الحزام والطريق، وهي شبكة شاملة من مشاريع البنية التحتية الجديدة تبدأ من الصين، مروراً بآسيا الوسطى وصولاً لأوراسيا والشرق الأوسط والاتحاد الأوروبي، وأعلن جين بينغ عن هذه المبادرة عام 2013 خلال اجتماع في كازاخستان، ثم في عام 2015 وقّع “بينغ” على استراتيجية صناعية عالمية وطنية تسمى “الصين 2050”.
إحدى الخصائص التي اكتشفتها من ملاحظتي الأولى لمختلف الاجتماعات والمناقشات التي عقدت في الصين منذ عام 2008 هي التصميم الرائع للمؤسسات الصينية والشعب الصيني على الوصول إلى الأهداف المطلوبة بأسرع وقت ممكن، أي إنه بعد التوصل إلى إجماع حول الاستراتيجية الوطنية، يسعى الصينيون اليوم بعزم كبير لإنجاحها، فقد استطاعت هذه الدولة الانتقال من اقتصاد زراعي فقير الأكثر حرماناً في العالم لتصبح أكبر منتج صناعي في العالم. إلا أنها خلال هذه الفترة ارتكبت بعض الأخطاء أيضاً، التي من ضمنها عدم الاهتمام بجودة الإنتاج التي أتت في المرتبة الثانية عوضاً عن الأولى، ولكن منذ عام 1979، ومع التحولات السياسية التي شهدتها الصين، انتقلت شيئاً فشيئاً لتصبح من أحد أهم المصنعين الحرفيين في العالم، لدرجة أنها أصبحت تصنّع العديد من المنتجات للشركات الغربية، مثل سيارات فولكس فاجن أو سيارات جنرال موتورز، ايفون، وغيرها…
إحياء الصناعات الصينية
تحاول الصين الآن تغيير هذه السياسة، على غرار ما فعلته اليابان بعد عام 1952، ومن بعدها كوريا الجنوبية وألمانيا، حيث تعتزم البدء بمرحلة تسميها “إحياء الإنتاج الصيني”، والهدف من هذه الاستراتيجية هو أن تقوم الصين بتصنيع المنتوجات الغربية عوضاً عن تجميع المكونات للعمالقة الأجانب مثل شركة أبل وغيرها، وقد بدؤوا بالفعل في عملية تطوير صناعتهم، وكما هو مبين في استراتيجية “الصين 2025″، فإن الحكومة الصينية والمؤسسات الوطنية عليها دعم سياسة الانتقال من “صنع في الصين” إلى “خلق في الصين”، من “سرعة الصين” إلى “جودة الصين”، من “المنتجات الصينية” إلى “العلامات التجارية الصينية “، وتم اقتباس مفهوم استراتيجية “الصين 2025” على أساس استراتيجية الصناعة الألمانية 4.0، والتي يطلق عليها البعض الثورة الصناعية الرابعة، وتهدف هذه الاستراتيجية إلى إحراز تقدّم تكنولوجي في التقنيات الرئيسية مثل الذكاء الاصطناعي، إنترنت الأشياء، التعلم الآلي، الأنظمة العنقودية، الأمن الإلكتروني، والتكيف الآلي مع التغيير الجذري في العمليات التجارية للمنظمات.
أمريكا “ما بعد الصناعة”
في أوائل السبعينيات، وضعت الشركات الكبيرة استراتيجية لنقل إنتاجها إلى الخارج سعياً وراء عمالة أرخص وتكلفة أقل، وأشادت مراكز الأبحاث والمطبوعات الأمريكية بالفكرة القائلة بأن الغرب دخل “حقبة ما بعد الصناعة”، ومنذ بداية التسعينيات بدأت المفاوضات الصينية الانضمام إلى النادي الصناعي الغربي من خلال العضوية في منظمة التجارة العالمية، وتدفقت الشركات الأمريكية إلى الصين، وذلك لعدة أسباب من بينها أنها تعدّ أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان إضافة إلى أنها تتمتع بأحد أدنى معدلات الأجور في العالم.
واستطاعت الصين بفضل هذا الإنتاج الأجنبي أن تصبح أكبر عملاق صناعي في العالم، ومع ذلك، وكما يقول الصينيون، إذا أراد بلد ما أن يصبح “منافساً عالمياً”، وليس مجرد عامل مجمع ومفكك خاص للشركات المتعددة الجنسيات الغربية واليابانية، فيجب عليه إحداث عملية تغيير كبيرة، ومن هنا تصف بكين تحديها الحالي بهذه الطريقة، فهي لم تعد ترغب في أن تظل منصة “تجميع صناعي استعماري زائف” للشركات الأجنبية، وهم يبنون حالياً نسختهم الخاصة من الصناعة الصينية للتنافس مع المنافسين الصناعيين من الطراز العالمي، وهذا ما جعل أجهزة الإنذار تدقّ في العالم الغربي.
ثلاث خطوات
وضعت الصين ثلاث خطوات عليها العمل بها من أجل تحقيق النجاح، الخطوة الأولى حتى عام 2025، الثانية حتى 2035 والثالثة حتى 100 عام منذ إنشاء جمهورية الصين الشعبية أي 2049.
بحلول عام 2025، أي بعد 10 سنوات منذ بدء هذه الاستراتيجية، تتوقع الصين أن تتحول إلى “قوة منتجة كبيرة”، ولتحقيق ذلك تعتزم الصين تعزيز قوتها الصناعية، ورقمنة إنتاجها وتفعيل ابتكار التكنولوجيات الوطنية، الخطوة الثانية بحلول عام 2035، سنكون شاهدين على وصول الصين إلى “مستوى منافس لقوى التصنيع العالمية”، إلى جانب التحسّن الحاد في القدرة على الابتكار من أجل إدخال تحسينات رئيسية وزيادة كبيرة في القدرة التنافسية، أما في الخطوة الثالثة والأخيرة أي ما بعد 100 سنة من تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 2049، تتوقع الصين “أن تأخذ زمام القيادة في القوى الصناعية العالمية”.
أما بالنسبة لأمريكا فقد وضعت استراتيجية خاصة تستهدف من خلالها قضيتين رئيسيتين، وهي استهداف التنسيق بين الصين وروسيا وإيران الذي نشأ نتيجة عدم كفاية السياسات الجيوسياسية لأمريكا على مدى العقدين الماضيين، والأهم من ذلك، استهداف “إحياء” الإنتاج الصناعي في الصين، فالمشكلة هي أن بكين وضعت استراتيجية حتى عام 2025 تهدف من خلالها رسم مستقبل الحياة في الصين، حيث إنها لا تنظر إليها كخيار بل كمخطط استراتيجي سيغيّر مستقبل الصين إلى الأفضل.

قد يعجبك ايضا