نوفمبر 15, 2018 صنعاء 5:17 ص

21 سبتمبر

تاريخ العلم.. عطاء الإنسان وإبداعه

تاريخ العلم.. عطاء الإنسان وإبداعه
مساحة اعلانية

خليل المعلمي

بلغة علمية دقيقة وسهلة وفي تسلسل زمني بأسلوب روائي شائق تحكي موسوعة “تاريخ العلم” والتي صدرت ضمن سلسلة عالم المعرفة من جزأين تاريخ تطور العلم وحياة العلماء في سياق العصر الحديث على مدى خمسة قرون من النشأة في الغرب وحتى العام 2001م.
مؤلف الكتاب هو جون غريبين أحد كبار الكتاب العلميين المعنيين بتبسيط العلم وله مؤلفات واسعة الانتشار أثارت الإعجاب بقدرته الفائقة على تبسيط أعقد الأفكار مع إثارة حس الدهشة بغرابة الكون لدى القارئ، وقد ترجم الكتاب إلى العربية شوقي جلال.
بين التقليد والتجديد
يحكي الكتاب طبيعة الصراع الاجتماعي بين التقليد من حيث النظرة إلى العالم والموقف الرافض لحق البحث والتغيير، وبين التجديد والإيمان بحق الإنسان والمجتمع في البحث العلمي والإبداع والتماس آفاق غير تقليدية للمعرفة والتحرر من مشاعر الدونية والتبعية تجاه الآخرين، والجمود عند حدودهم مع بيان كيف أن هذا التحرر كان مثلما هو دائماً أساس التقدم وامتلاك الإنسان لمصيره بل والهيمنة على مقدراته.
كما يسد الكتاب فراغاً ثقافياً في المكتبة العربية ويمثل اسهاماً تنويرياً واقعياً بعيداً عن الرومانسية إذ يوضح طبيعة روح العصر (العلم والتكنولوجيا) ويعرض بإيجاز وفي صورة تاريخية متكاملة ملحمة العلم وانتصار العقل العلمي في سياق التاريخ الحديث الذي هو حلقة في سلسلة ممتدة بامتداد تاريخ الحضارات المختلفة.
ويقدم الكتاب اطلالة على طبيعة النشاط العلمي والمعاناة من أجل العلم والجدوى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بل والسياسية للنهضة العلمية ومردود ذلك في الوعي بالذات إنساناً فرداً، ومجتمعاً كاملاً موحداً وأفقاً رحباً نرنو إليه على الطريق إلى مستقبل جديد لعقل عربي جديد، ويحتوي الكتاب على أربعة أبواب تضم خمسة عشرة فصلاً مع خاتمة بعنوان “لذة الاكتشاف”.
الخروج من العصور المظلمة
يأتي عنوان الباب الأول “الخروج من العصور المظلمة” ويتناول فيه المؤلف ثلاثة فصول عن رجال النهضة والصوفيين الأواخر والعلماء الأوائل، يحمل الفصل الأول عنوان “العلم يقف على قدميه” ونقرأ فيه عن ديكارت والإحداثيات الديكارتية ورفضه لفكرة الفراغ في الوجود، وبيير جاسيندي عن الذرات والجزئيات وجهود كريستيان هوجينز في البصريات والنظرية الموجية عن الضوء، ثم روبرت بويل ودراسته عن ضغط الغازات ونهجه العلمي في تناول الخيمياء أو السيمياء وهي الكيمياء في العصور القديمة.
ويعرض بعد هذا حياة ونشاط مارسيلو مالبيجي والدورة الدموية، وكان بذلك سابقاً على هارفي، ثم بداية ظهور فكرة عن تصور الحيوان والإنسان باعتبارهما آلات وذلك على أيدي جيوفاني بوريللي وادوارد تايسون.
ينتقل بعد هذا إلى الباب الثاني وفيه فصلين الأول حول العلماء المؤسسين للحضارة الحديثة في عصر النهضة، كما كان محور الفصل الثاني من هذا الباب حول الثورة النيوتونية وتطور علم التفاضل والتكامل وأسس الرياضيات.
العلم في عصور التنوير
الباب الثالث وعنوانه التنوير فيعرض فيه المؤلف فصلين أحدهما العلم في عصر التنوير ومحوره صعود الكيمياء وعلم الكيمياء، من مثل اكتشاف ثاني أكسيد الكربون على يد جوزيف بلاك، والمحرك البخاري وبداية الثورة الصناعية، ويحدثنا عن التجارب العلمية التي أجراها بريستلي في مجال الكهرباء والغازات واكتشاف الأكسجين وكذا دراسات لافوازيه عن الهواء والجهاز التنفسي وأول جدول عن العناصر.
أما الفصل الثاني فيعرض فيه التقدم العلمي في جميع الجبهات، وجهود العلماء والمستكشفين لتطوير حلم عصر التنوير: الحرارة والحركة والجيولوجيا واكتشاف البطارية الكهربائيية والوصف الرياضي لانكسار الضوء وغيرها.
العلم في كمال نضجه
ينتقل المؤلف إلى الباب الرابع حيث يعرض صورة العلم وقد بلغ النضج وأصبح قوياً نافذا ومؤثراً في كل جوانب الحياة، ويضم الباب أربعة فصول الأول “الثورة الداروينية” ويعرض حياة مجموعة من الباحثين والعلماء الذين درسوا تطور طبقات الأرض وطبقات أو أطوار الحياة وتطور أفكارهم وتنوعها في هذا الشأن نجد من أبرز الأسماء هنا شارلس ليبل وأسفاره داخل أوروبا والدراسة الجيولوجية للقارة، علاوة على أفكاره عن الأنواع بين الكائنات الحية. وتبرز أسماء مثل إرازموس دارين ولامارك والنظرية اللاماركية ثم تشارلس داروين الذبي يفيض في الحديث عن حياته ورحلته التاريخية على متن السفينة بيجيل ونظريته عن الانتخاب الطبيعية.
ينتقل بنا المؤلف في الفصل التالي إلى موضوع جديد تماماً تحت عنوان الذرات والجزئيات الذي يمثل نقلة نوعية في العلوم والتكنولوجيا وأثرهما في الحياة. ونقرأ هنا عرضاً شائقاً وسهلاً وعميقاً في آن واحد عن جهود وأبحاث عديد من العلماء عن الغازات والبحوث الكهروكيميائية وأول حديث عن الوزن الذري ودراسة العناصر، وكذا دراسات فريدري وهلر عن المواد العضوية وغير العضوية ثم دراسات أخرى للتمييز بين الذرات والجزيئات واستحداث الجدول الدوري الذي ابتكره مندلييف، وهو جدول العناصر بعد ترتيبها في صفوف على أساس العدد الذري بحيث تكون العناصر ذات الخصائص المتماثلة معاً في عمود واحد.
كما يتناول المؤلف بداية علم الديناميكا الحرارية وقوانينها والنظرية الحركية التي تدرس السلوك الحركي الحراري للمادة وخاصة ضغط وكثافة وحرارة الغازات.
ذروة العلم الكلاسيكي
ويبدأ فصل جديد في تاريخ العلم في الفصل الثالث من الباب الرابع عن الضوء وإحياء النظرية الموجية والتجارب العلمية في هذا الشأن، وكذا تجارب التحليل الطيفي لضوء النجوم ودراسات عن المغناطيسية الكهربية ثم اختراع المحرك الكهربي والدينامو هذا علاوة على تجارب ودراسات لقياس سرعة الضوء وأن الضوء شكل من الاضطراب الكهرومغناطيسي.
ويعرض المؤلف في هذا السياق أسماء علماء كثيرين من أمثال توماس يونج، وفاراداي وكلارك ماكسويل، وغيرهم ثم يحدثنا عن ألبرت اينشتين والنظرية الخاصة عن النسبية وكيف توصل مينكوفسكي بناءً على هذه النظرية إلى القول بالوحدة الهندسية “للزمكان” أو الزمان والمكان في وحدة هندسية واحدة.
ويصل بنا المؤلف بعد هذا إلى ذروة العلم الكلاسيكي في الفصل الأخير من الباب الرابع الذي يدور محوره حول علوم الأرض والقارات والبحار والعصور الجيولوجية ويعرض هنا نظرية عن انكماش كوكب الأرض والجرف القاري، ويحدثنا أيضاً عن استخدام العلماء للنشاط الإشعاعي لقياس عمر الصخور.
العصر الحديث
ويمثل الباب الخامس خاتمة الكتاب تحت عنوان العصور الحديثة ويضم ثلاثة فصول، يتحدث في الفصل الأول عن الفضاء الداخلي ويتناول فيه موضوعات مثل اختراع الصمام المفرغ من الهواء وأشعة اللاحب أو القطب الكهربائي وحركتها ثم اكتشاف الإلكترون والأشعة السينية وأشعة إكس وغير ذلك من أنواع الأشعة ألفا وبيتا وجاما واكتشاف النظائر والنيوترون.
ويتطرق في حديثه عن ماكس بلانك والكوانطا وكوانطا الطاقة وعن أينشتين، وكوانطا الضوء، وكذا عن نيلز بور وأول نموذج لكوانطا الذرة وعن هيزنبرج ومبدأ عدم اليقين أو عدم التحديث ووجود ما يسمى مضاد المادة والقوة النووية الضعيفة والقوية، والنيوترينونات والدينامية الكهربية الكوانطية، ويختم هذا الفصل بالسؤال عن المستقبل، ويتحدث أيضاً عن الكواركس أو المكونات الافتراضية الأساسية المحتوية على الشحنة الالكترونية المكونة لثلث أو ثلثي الإلكترون الذي هو المكون الرئيسي لجميع أجزاء النواة في الذرة.
فيما يخصص الفصل الثاني للحديث عن مملكة الحياة في العلم باعتبارها تشتمل على أعقد الأمور في الكون، ونطالع هنا حديثاً جامعاً وواضحاً عن نظريات التطور ودور الخلايا وانقسامها في الحياة، وعن اكتشاف الكروموزومات ودورها في الوراثة، ومن ثم عن علم الوراثة وقوانين الوراثة على يد جريجور منديل، ويتبع هنا بالحديث عن الحامض النووي وكيمياء الحياة والكربون ودراسات أخرى عدة مثل الشفرة الجينية والجينوم وغير ذلك.
اما الفصل الثالث فينتقل بنا فيه المؤلف من الكون الأصغر (عالم الخلايا والالكترونيات) إلى الكون الأكبر أي (عالم الفضاء والأفلاك) ويحدثنا هنا عن قياس المسافات الفلكية بين النجوم والمجرات ومادة النجوم وأطيافها ويعرض بإيجاز واضح مضمون النظرية النسبية العامة والكون المتمدد وطبيعة الانفجار العظيم ومكان ومكانة البشرية في هذا الكون.
وبعد هذه الجولة الموسوعية يؤكد مترجم الكتاب شوقي جلال أنه لا يسع القارئ إلا أن يتطلع في فضول وذهول إلى المستقبل واحتمالاته وأن يتساءل أيضاً إذا كان هذا عن تاريخ العلم في الغرب فماذا عن تاريخ العلم قبل هذا الزمان في بقية أنحاء العالم وقد كان يقيناً مقدمات السابق للاحق.

مساحة اعلانية

مقالات ذات صله