من 26 سبتمبر 1962 إلى 21 سبتمبر 2014 .. آل سعود والثورات اليمنية !

 

عباس السيد

لم تتوقف الأطماع السعودية في اليمن بالتوسع الجغرافي الذي تحقق لها بضم أجزاء واسعة من مساحة اليمن الطبيعية إلى أراضيها . فأطماع النظام السعودي تتجدد وتتعدد بارتفاع سقف طموحاته وأحلامه.
السعودية التي كان لها دور أساسي في إضعاف الدور المصري والسوري والعراقي في الساحة العربية خلال العقود الأخيرة ، تسعى بخطى محمومة لتكون الرياض قبلة سياسية تحج إليها الأنظمة العربية والإسلامية.
يعتقد النظام السعودي أن تحقيق حلمه بالكامل مرهون ببقاء اليمن في حظيرته . فاليمن يمتلك مقومات متعددة تؤهله ليس فقط للخروج من الحظيرة السعودية ، بل ليلعب دورا هاما في جنوب شبه الجزيرة العربية ، إذا ما تيسر له استغلال مقوماته ، بعكس الدول الخليجية الخمس المجاورة للسعودية .
ولذلك ، عملت السعودية منذ عقود على حرمان اليمن من استغلال أي فرصة للنهوض والتطور. ولم تأل جهدا في الانقضاض على ثوراته الوطنية وإجهاضها بكل السبل .
ومثل سجين ينقل إلى زنزانة انفرادية عقابا لتمرده ، خصصت السعودية لليمن حظيرة منفصلة بعيدا عن حظيرة مجلس التعاون .

المملكة المتوكلية والمملكة السعودية
قبل ثورة سبتمبر 1962 ، شهدت العلاقات بين النظامين الملكيين – اليمني والسعودي – موجات من المد والجزر. لكن الاختلاف الواضح في الايدلوجيتين المذهبيتين للنظامين – الوهابية السنية ، والزيدية الشيعية – كان له دوره في رسم علاقات إتسمت بالحذر والتوجس والندية بين النظامين . بغض النظر عن الفرق في عناصر القوة الاقتصادية والعسكرية التي مكنت السعودية من الاستيلاء على أراض يمنية شاسعة قبل أن يتمكن الإمام يحيى ” المتوكل على الله ” من ضمها إلى مملكته الوليدة ” 1918 ـ 1948 ” .
وخلال الأربعة عشر عاما الأخيرة من عمر المملكة المتوكلية اليمنية ” 1948 ـ 1962 ” ، شهدت العلاقات بين المملكتين استقرارا ملحوظا. لم يكن ذلك الاستقرار مؤشرا على تحسن في العلاقات أو علامة على زوال الأطماع السعودية في اليمن . فلم تكن تلك الفترة سوى استراحة للنظام السعودي الذي كان لا يزال يستجر الوجبة الدسمة التي ابتلعها من الأراضي اليمنية في ثلاثينات القرن الماضي .
السعودية والصدمة الأولى
عند سقوط النظام الملكي وقيام الجمهورية العربية اليمنية عام 1962 ، أصيب النظام السعودي بصدمة عنيفة مفاجئة ، وكاد يتقيأ ما كان يستجره بتأثير نوبة الهلع التي أصابته بقيام الجمهورية المدعومة بقوة من خصمه اللدود جمال عبد الناصر .
لم يكن الإمام محمد البدر، أو عمه الحسن ، وغيرهما من أفراد العائلة المالكة الذين فروا إلى السعودية عملاء للنظام السعودي ، لم يكونوا حتى حلفاء سياسيين له ، ولا يرتبطون بعلاقات شخصية مع نظرائهم في العائلة السعودية.
وكان احتضانهم من قبل السعودية ، ودعمها العسكري لهم طيلة سبع سنوات ، نابعا من خشيتها من النظام الجمهوري الجديد وقياداته التي كان جلها من الشباب المرتبطين بناصر والمتأثرين بأفكاره وتطلعاته.
وقد كان النظام السعودي يرى في استعادة شرعية النظام الملكي في اليمن جدارا يقيه من خطر عبد الناصر الذي بات على حدوده الجنوبية . وليس ليحافظ على نفوذه في اليمن من خلال عودة البدر والحسن ورفاقهما إلى العرش – كما هو الحال في دعمه ” للشرعية ” المقيمة بالرياض منذ 2015 .
بعد سبع سنوات من الحرب التي غذتها السعودية بمشاركة بريطانية وإسرائيلية وراح ضحيتها 200 ألف يمني بين الأعوام 62 ـ 1970 ، وانسحاب القوات المصرية من اليمن ، اعترفت الرياض بالنظام الجمهوري حين أطمأنت إلى انه سيكون كما تريد ” شاطر ومؤدب ويسمع الكلام ” .
تركت مصر الجمهورية في اليمن يتيمة في السابعة من عمرها. فاستمرت السعودية في تدجينها وترويضها ، وتغلغلت في جوامعها وقبائلها ومعسكراتها وبرلماناتها وإعلامها ، …، حتى أصبح النظام الجمهوري في اليمن أحب إليها ألف مرة من مملكة الإمام التي كافحت من اجل استعادتها سبع سنوات.
على الجانب الآخر ، فشلت السعودية في اختراق نظام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب الذي اتخذ له أيدلوجية سياسية صارمة حالت دون تغلغل الأدوات السعودية في الجنوب اليمني.
في 11 أكتوبر 1977م، اغتالت أدوات السعودية الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي ، الذي حاول خلال فترة حكمه إخراج اليمن من حظيرة المملكة .

عسير جيزان ونجران
ومثلما لعبت زيدية النظام الإمامي الملكي في شمال اليمن قبل سقوطه في 1962 دورا هاما في كبح محاولات التغلغل السعودي الذي يبدأ من خلال تسويق الوهابية في أوساط المجتمع . لعبت الأيدلوجية الاشتراكية دورا مماثلا في حماية الجنوب اليمني منذ استقلاله عن بريطانيا في 1967 وحتى إعلان الوحدة في 1990 .
وفي مثال آخر على دور الأيدلوجيات السياسية والمذهبية اليمنية في تحديد العلاقة مع السعودية ، يمكن القول أن سُنية مناطق جيزان وعسير التي تماهت شيئا فشيئا بالوهابية خلال حكم الأدارسة ” 1906 ـ 1934″ كانت احد العوامل التي سهلت للنظام السعودي في ما بعد عملية ضم تلك المناطق إلى أراضيه .
ولم يجد في تلك العملية صعوبات كالتي واجهته في ضمه لإقليم نجران الذي كان غالبية سكانه يعتنقون المذهب الإسماعيلي . وحتى الآن ، لا تزال نجران بؤرة مؤرقة للنظام السعودي بسبب نزعات التمرد والاستقلال التي يعبر عنها النجرانيون بين الحين والآخر بوسائل مختلفة.
الحلم الجميل يتحول كابوسا
عام 1989، كانت السعودية على موعد مع نوبات جديدة من الهلع على وقع الخطوات المتسارعة لاستعادة الوحدة اليمنية ، فأوعزت المملكة لوكلائها في جمهورية الشمال للقيام بمهمة وأد المشروع الوحدوي ، لكنهم أخفقوا في إعاقة تيار الوحدة الجارف الذي وصل إلى هدفه في 22 مايو 1990.
انتقل النظام السعودي ووكلاؤه في اليمن إلى الخطة “ب” وهي : تدمير الوحدة من الداخل. وفي بضع سنوات ، وبتأثير أشبه بالسحر ، تحول حلم اليمنيين الذي تحقق في 1990، إلى عبء وكابوس مؤرق ، لا يزال اليمنيون يبحثون له عن دواء ، ومنهم من لا يستبعد أن يكون الدواء في الكي أو البتر .

11 فبراير .. صدمة ثالثة
ومثل اللص الذي يتوجس خيفة من يقظة صاحب الدار ، اجتاحت النظام السعودي نوبة ثالثة من الفزع مصدرها ثورة 11 فبراير الشبابية السلمية عام 2011 .
وبعد اقل من شهر من انطلاق ثورة فبراير ، بدأ وكلاء السعودية بسحب البساط الإسفلتي من تحت أقدام الثوار الشباب. وكانت أحداث جمعة الكرامة الدموية بساحة التغيير بالعاصمة صنعاء في 21 مارس ، ومحرقة ساحة الحرية بمدينة تعز في 29 مايو 2011 ، بمثابة حصان طروادة الذي استغله وكلاء السعودية للتسلل إلى ساحتي الثورة الرئيسيتين والسيطرة عليهما بذريعة الحماية .
أواخر 2011 ، تحولت ثورة الشباب بعصا سحرية ، إلى أزمة بين شركاء السلطة في الجمهورية اليمنية- وكلاهما من حلفاء السعودية المخلصين ووكلائها الأوفياء – .
المبادرة الخليجية كحل للأزمة
ومع نهاية 2011 ، برزت ” المبادر ة الخليجية ” كوصفة سحرية لمعالجة الأزمة ، وحلت المبادرة كبديل للدستور اليمني ، وعُطلت كل النظم والقوانين بما فيها قانون الانتخابات . وبموجبها ، مُنح الرئيس صالح حصانة مطلقة من المساءلة ، وفُرض نائبه هادي كمرشح رئاسي وحيد.
وخلال ثلاث سنوات ، جمعت السعودية السحرة والدجالين من كل مكان ، لمساعدتها في حل ما بات يعرف بـ “الأزمة اليمنية ” وفقا لأهدافها هي ، وبما يضمن تجنيبها أي نوبات جديدة قادمة من جهة الجنوب. وكان الحل أو العلاج في مشروع تقسيم اليمن إلى أقاليم.
تلك هي الوصفة السحرية التي تم تصميمها وتركيبها لمعالجة السعودية وتخليصها من الكوابيس التي تداهمها بين فترة وأخرى. الوصفة التي تبدأ بـ ” الأقلمة ” كفيلة بتحويل اليمن في غضون عشر سنوات إلى إمارات ودويلات ، سيكون عليها ـ تلك الدويلات ـ الانتظار عقودا قبل أن تتفق على تشكيل ” مجلس التعاون الجنوبي ” على غرار ” مجلس التعاون الخليجي “.
وفي هذه الحالة ، ستجد السعودية نفسها بين دويلات المجلسين – الخليجي والجنوبي – مثل دجاجة ضخمة ، يطوف حولها الكتاكيت من الشرق والشمال والجنوب، ويقتاتون بما تلقيه عليهم بأرجلها.
هلل وكلاء السعودية لوصفة “الأقلمة ” وبدأ إعلامهم يتعامل مع الأقاليم وهي لا تزال خطوطا وأحرفا على الورق .. هادي – الذي مُنح صلاحيات مطلقة في لجنة تقسيم الأقاليم – رفع مسودة الدستور عاليا وهو يبتسم ، واصفا إياها ” أهم استحقاق أنجزه اليمنيون ” .
وفي الحقيقة ، لم يكن مشروع الدستور سوى سكينٍ سنها الخارج ليقوم اليمنيون بمهمة تقسيم وطنهم بأنفسهم . فالمادة السادسة من مشروع الدستور تضمن ما أسمته  : حق الشعب في تقرير مكانته السياسية في مستويات الحكم المختلفة  ، ويقصد بالشعب هنا ، شعب المحافظة أو الولاية ، أو شعب الإقليم ، كما يقصد بـ ” حق تقرير مكانته السياسية ” حق تقرير المصير في الوحدة أو الانفصال ، أو الانضمام لأي جوار جغرافي.
وتلزم المادة نفسها ، الحكومة الاتحادية بدعم مثل هذه المطالب – وفقا للمواثيق والقوانين الدولية التي وقعتها الجمهورية اليمنية .
وهذا يعني بوضوح أن الحكومة الاتحادية ستكون في مواجهة مع المجتمع الدولي إن هي وقفت ضد مطالب السلطة المحلية في محافظة المهرة مثلا، بإعلان سلطنة المهرة المستقلة ، أو الانضمام لسلطنة عمان. أو إذا رفضت تأسيس إمارة في الجوف أو مارب ، أو انضمام المحافظتين ، أو إحداهما على سبيل المثال ، إلى السعودية.
لقد جرى صياغة المادة السادسة من مشروع الدستور بذكاء لا يخلو من خبث ، بعد أن تم تمريرها ضمن مخرجات الحوار ك ” محدد دستوري ” حيث تمت الصياغة بأسلوب غامض دون تفصيل. لكن ، بالعودة إلى المواثيق الدولية المشار لها في المادة ، يتبين المعنى بوضوح.
21سبتمبر .. الثورة الخاتم
عملت سلطة هادي وحكومتا باسندوه و بحاح ، بدفع من الخارج ، على تهيئة الظروف المناسبة لتمرير مخطط التقسيم بهدوء وأمان . وكان إقرار حكومة باسندوة للجرعة القاتلة في أسعار المشتقات النفطية ، وما سبقها وتلاها من تهويل باحتمال عدم قدرة الحكومة على دفع مرتبات الموظفين ابتداء من 2015 ـ كما جاء على لسان وزراء في حكومة بحاح ، وفي تصريحات للمبعوث الأممي جمال بنعمر ، يهيئ لمناخ مناسب ، يؤدي إلى إشغال الشعب وإلهائه بهمومه واحتياجاته الأساسية اليومية .
وفي هذا السياق ، كتبت وزيرة الإعلام نادية السقاف مقالا استعطافيا مذلا بصحيفة الجمهورية في نوفمبر 2014 ، بعنوان ” السعودية لن تتخلّى عن اليمن مهما قِيل ” .
كان ذلك التهويل يأتي في سياق التمهيد ليتقبل اليمنيون أن يتجرعوا وصفة السحرة بالأقلمة والتقسيم شديد المرارة ، وأن يلتزموا الهدوء والصبر إذا ما أحسوا مبضع الجراح تعمل في جسد الوطن .
وفي اللحظة التي هم فيها السحرة بتجريع الوصفة لليمنيين ، وقبل أن يستل اليمنيون سكين الدستور ويبدأوا في تقطيع أوصالهم كالمجاذيب ، بزغت شمس الحادي والعشرين من سبتمبر 2014 ، فكانت كعصا موسى ، لينقلب السحر على الساحر .
كان وقع الصدمة على النظام السعودي في هذه المرة أشد وطأة من سابقاتها ، وهو يرى أدواته ووكلاءه وسحرته في اليمن يتساقطون كأحجار الدومينو.
وفي حالة من الغضب الهيستيري ، قرر النظام السعودي التدخل مباشرة ، وبدأ بالحشد والتجييش لفرض وصفة السحرة بالقوة .
بعد قرابة أربع سنوات على العدوان الهمجي الشامل الذي تقوده السعودية على اليمن ، وبمقارنة خطوط المواجهات العسكرية الملتهبة بخطوط خارطة الأقاليم ، سيتبين بما لا يدع مجالا للشك ، أن تفكيك اليمن هو الهدف الذي يسعى الخارج بقيادة السعودية إلى تحقيقه ، قبل العدوان وبعده.
حتى الآن ، لا يبدو أن آل سعود سينجحون في تحقيق هدفهم باليمن ، فهل سننتظر كثيرا حتى يؤمنوا برب اليمنيين قبل أن يغرقوا في الوديان والصحاري اليمنية ؟!.

قد يعجبك ايضا