الإعلام المجتمعي..عصر الجماهير الرقميّة

 

مـاجـد الـسياغـي

إذا كان الخبراء قد قسموا مسيرة الإعلام إلى ثلاث مراحل أساسية الأولى دشنها ظهور المطبعة والثانية دشنتها وكالات الأنباء والثالثة الإذاعة والتلفزيون ، فإن المرحلة الرابعة قد تم تشكيلها عبر أجيال متقدمة من الحاسبات الإلكترونية والألياف الضوئية ، أعادت بدورها تشكيل خارطة العمل الاتصالي في المجتمعات المعاصرة لصالح الإعلام الجديد.
ويعد الإعلام المجتمعي واحداً من إفرازات الإعلام الجديد الذي أصبح له اليوم دور فاعل ومؤثر في صناعة الرأي العام وإعادة إنتاجه عبر نوافذه الاتصالية التفاعلية التي تعد إحدى وسائله وإحدى أهم وسائل جذب المشاهدين وإبقائهم وتزايد أعدادهم ، وهو مايؤكده الاستخدام المتنامي لتوليفة الشبكة العنكوتبية، حيث أشارت أرقام العالم الرقمي للعام 2018 إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت في جميع دول العالم 4.021 مليار شخص بزيادة 7% عن العام السابق. وبلغ عدد مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي حوالي 3.196 مليار شخص بزيادة 13% عن العام الماضي ، بواقع مليون مستخدم جديد للشبكات الاجتماعية كل يوم . أما عدد مستخدمي الموبايل فقد وصل في بداية العام الحالي إلى 5.135 مليار شخص بزيادة 4% عن عام 2017 وهناك 9 من كل 10 أشخاص يتعاملون مع شبكاتهم المفضلة عن طريق الموبايل.
هذه الأعداد أصبحت مستقبلةً ومرسلةً للمعلومات والأخبار والآراء تصنع إعلامها بنفسها صناعة تعتمد على ثقافة المتلقي والمرسل في آن واحد، فالسؤال الذي ساد في السابق: ماذا تفعل وسائل الإعلام بالجمهور؟ لم يعد وارداً بل ماذا يفعل الجمهور بوسائل الإعلام؟.
ما من شك أن تعدّد المستخدمين وتناميهم باختلاف أصنافهم ومستوياتهم أظهرت تحولات عديدة في كثير من المسارات عل جلّها تغيّر خط سير الرسائل الإعلامية من القاعدة الى القمة أدّت إلى انحسار دور الرقيب المتمثّل في الحكومات و أفرزت جملة من التأثيرات عكست ظلالها على مجمل السياسات الإعلامية والسياسة الوطنية المرتبطة بالمجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية. فالنمو الخارق للإعلام المجتمعي بات يقضي على نظرية «حارس البوابة» وأصبح تحدياً راهناً للإعلام الرسمي بأدواته أو القائمين عليه ما يجعله محور اهتمام الجيل الحالي من الكبار ووثيق الصلة بالجيل الجديد وخاصة شريحة الشباب.
ويسود شبه إجماع لدى الباحثين والمختصين بهذا الشأن أنّ جيل اليوم تحول من طابع الإعلام التقليدي لصالح طابع الإعلام الرقمي المدعوم بتعدد الخيارات والنوافذ الاتصالية التي تتيح للمستخدم أن يكون حاضراً فيها بالصوت والصورة والرسالة النصية وهو ما لم تعطه وسائل الإعلام التقليدية .
وهكذا وجد الإعلام الجديد بكل مسمياته (المجتمعي ، التفاعلي ، الرقمي ، البديل ) آخذاً في الانتشار خاصة بعد توسع دائرة مستخدمي الهواتف الذكية نظراً لتنوع أسعارها وتعدد خياراتها التي تتوفر من خلالها كل وسائل ومنصات التواصل الاجتماعي ، فسرعة الانتشار ورخص التكلفة والتحرر من مقص الرقيب جعل هذا النوع من الإعلام فاعلاً قوياً في صناعة الأحداث ومجرياتها ، الأمر الذي يتطلب تضمين علاقة الخطاب الرسمي الإعلامي بشبكة الإنترنت وما يرتبط بها من أدوات ووسائل ، كيف لا وهذا النوع من الاتصال جعل كل وسائل الإعلام في جيبنا وثيق الصلة بحياتنا وتوجهاتنا .
وبإسقاط كل ذلك على واقعنا في اليمن نرى أننا جزء من حالة عامة يتعاظم فيها دور الأفراد في نقل وتبادل وإنتاج المعلومات ونشرها بين قطاع عريض من الجمهور؛ يجتمعون حول قضايا مُشتركة تؤثر فيهم ويؤثرون في إعادة انتشارها في ظل الاستخدام المتنامي للإنترنت وما يرتبط به من أدوات جديدة دفعت إلى تحقيق نوع من التواصل الإنساني من كافة أنحاء العالم، ومن جانب آخر كان لاستخدام تلك الأدوات جانباً سيئاً منها خرق الخصوصيات والثوابت المرتبطة بالكيان المجتمعي والمنظومة الثقافية والاجتماعية؛ كما أن كل ما يتم إنتاجه وتبادله من معلومات وأخبار لا تعني الحقيقة المطلقة، فالعديد منها لا يتكئ على مصادر موثوقة أو موثّقة في ظل تزايد أعداد الهواة الذين لا يمثلون الوسط المهني الإعلامي؛ ولا تملك منتجاتهم الإعلامية المقوّمات التحريرية المتعارف عليها؛ والأهم من ذلك استغلال هذه المنصات والنوافذ في تضليل الرأي العام وتزييف وعي المتلقي كما هو معمول به اليوم من قبل وسائل إعلام ومنصات دول تحالف العدوان الأمريكي السعودي الإماراتي ، يديرها خبراء في الدعاية والحرب النفسية وتنفذها جيوش الكترونية في مربع الآلة الاتصالية تقوم ببث الشائعات وتلوين المعلومات والأخبار للنيل من تماسك الجبهة الداخلية ومفردات الصمود الذي يسطره الشعب اليمني، مستغلة الطابع الفردي للإعلام المجتمعي التفاعلي الذي يتعاطى معه الأفراد من خلال خلفياتهم الثقافية والتعليمية والمعرفية .
يأتي ذلك في وقتٍ ما زال فيه الإعلام الوطني والجبهة الإعلامية المناهضة فاعلاً أساسيا في صناعة الأحداث والتحكم في تطورها عبر ما يوفره من معلومات تحدث تأثيراً عليها، وتكذب ادعاءات زيف إعلام العدو.
إلا إنه وفي ظل المشهد الرقمي متعدد الأغراض المتنوع بوسائله الاتصالية الناقلة والمنتجة يجعل من أدواته المتقدمة منابر هامة لتعرية زيف ادعاءات الإعلام المعادي وتضليله وشائعاته وإيصال مظلومية الشعب اليمني جراء ما يتعرض له من جرائم القتل والتدمير وتداعيات الحصار الجائر .
ومن أجل ذلك، تسعى وزارة الإعلام إلى إنشاء هيئة وطنية للإعلام المجتمعي فتأثيره الكبير يستدعي ضرورة تنظيم أدواته بما يضمن توظيف الآراء والأخبار والمعلومات القيّمة إلى جانب الجبهة الإعلامية ووسائل الإعلام الرسمية التي تمر بمرحلة التحول الإلكتروني الرقمي ، في إطار تعزيز الجهود وتضافرها لمواجهة آلة العدوان الإعلامية . وللدخول في الخطوات الإجرائية سيعُقد اللقاء الوطني الأول للإعلام المجتمعي في شهر أكتوبر الحالي بالعاصمة صنعاء ، يتصل فيها الإعلام التقليدي والإعلام الجديد لتحقيق الرسالة الإعلامية من خلالهما .
وبما أن لكل عصر وسائل إعلامه وأساليب حروبه فإن التطوّر السريع لوسائل الاتصال الجماهيري وكذلك الاتساع المضطرد لنطاق التدفُّق الحر للمعلومات عناصر وأدوات وأساليب من الحرب الإعلامية سيربحها ذلك الذي يصنع الرسالة الرقمية الذكية.

قد يعجبك ايضا