ثلاث قرى يمنية تحكي قصة الانفراج بعد القـرون العجاف


> مشروع الطريق تعثر منذ ثمان سنوات والسكان انتظروه منذ السبعينيات

> ( الشرف – المحل – السورة ) نموذج لقرى ريمه المعلقة وسط قسوة الجبال ومشانق الإهمال

* بعد زمن طويل تشهد اليوم قرى (الشرف- المحل- السورة) في بني الجرادي- مديرية السلفية محافظة ريمة مشروع الطريق الذي سيزيح عن أهلها وعثاء العزلة وشروخ المعاناة.. إنه المشروع الذي انتظروه حْلْماٍ حتى يأسوا ويأسوا حدِ التسليم بمواجهة قدِرِهم الذي حِكِم عليهم بالأعمال الشاقة في وعورة الجبال القاسية وحمúل الأثقال وجثامين الموتى والـمعسرات من النساء على أكتافهم نعوشاٍ من الجنائز والحزن.. – لقد تعايشوا مع هذه الطبيعة كسابقيهم فاعتادوا الجهاد المعيشي والمثابرة اليومية- من عرس العصافير في الغِبِش حتى احتفال النجوم في هدأة المساء- ليقوا أسرهم منشار الفقر والفاقة.. في هذا الاستطلاع سنفتح نافذة على ما عاناه المواطن في هذه القرى وفرحة الناس بوصول هذا المشروع مع بداية العام 2014م وجهود المجلس المحلي التنموية في مديرية السلفية وقصص إنسانية لمعاناة المواطنين في المناطق الريفية لكن الأهم هنا هو لملمة مشهد الفرحة الذي يعكس انتظار كل مواطن يمني لأبسط مشروع تنموي يسهم في انعاش حياة الناس ويوصل المنفعة والتنمية إلى الأرياف اليمنية المعزولة عن المدن وعن الخطوط الطويلة والطرقات العامة..

* الصورة أبلغ بكثير من الكلمات خصوصاٍ حين تتعدد الشخوص وتختلط الملامح وتكثر التفاصيل .. هذا ما شهدته ووثقته بعدسة الكاميرا في العام 2007م حيث نفرَ من أبناء قرية الشرف يحملون على أكتافهم خزان ماء من الحجم الكبير هذه الصورة واحدة من آلاف الصور التي لم توثق حياة الناس وهم يرزحون تحت الأحمال الثقيلة كأخشاب البناء التي يتجمع لحملها عشرون أحياناٍ وأكثر وكذلك مستلزمات البناء الأخرى والأثاث الثقيل وغيرها.. هذا على صعيد مستلزمات الحياة ولا يعني أن هذا هو الحد فللموتى والمرضى نعوش من الحزن والمتاعب والآلام تعتلي أكتاف هؤلاء البشر.. كما أن الحال الذي عاشه أبناء قرى( الشرف والمحل والسورة) من الحرمان والمعاناة والعذاب هو الحال الذي عاشه ولم يزل يعيشه كثير من أبناء قرى ريمة ووصابين وعتمة وآنس وبرع وعنس وغيرها من الأرياف اليمنية المحرومة من الطرقات.. الأهم في هذه الصورة أن خلفها قصة حلم تم وأده في بدايته هو حلم مشروع الماء الارتوازي لعزلة بني الجرادي التي من ضمنها قرى الشرف والحل والسورة التي لم تشهد أي مشروع لحصاد المياه لقد ظلوا بانتظار مشروع المياه الارتوازية التي كان من المحتمل أن يصل إليهم من وادي مضبعة الرحيب في عام 1997م حيث نْصبت الحفارات سنوات في الوادي وبعد خسائر المواطنين إسهاماٍ منهم في المشروع اعتذر المهندسون عن عدم وجود مياه في الوادي وهو ما اعتبره المواطنون كذبةٍ .. فالمواطن علي أحمد الجرادي يؤكد أن نزول الحفار نحو 130 متراٍ مسافة قليلة جداٍ لا تتجاوز الطبقة الأرضية التي تكونت خلال خمسين عاماٍ من جراء السيول الآتية من الجبال الواسعة والشاهقة في شرق السلفية وكذلك بعض جبال غرب آنس إضافة إلى السيول التي تأتي من جبال الدومر وقاع صيحان المعروف على خط باجل.. مؤكداٍ أن المواطنين أتوا بعدها بمهندسين آخرين لاستكشاف الوادي حيث أشار المهندسون أن أي عاقل يدرك جيداٍ أن المياه في هذا الوادي الخصيب الذي طمرت معظم أجزائه بتربة حصوية وطبقات كبيرة من النيسة يتطلب النزول إلى نحو 800-1200 متر وسنحصل على مياه تكفي مديرية السلفية بأسرها فما بالنا بعزلة واحدة..
* قصة مشروع طريق( الشرف المحل السورة ) فيتجاوز عمر حلمه نحو أكثر من 50 عاماٍ من عمر الثورة السبتمبرية التي فتحت الباب على التنمية والمساواة في اليمن ولكنها بدأت من المدن رغم كل الصراعات كان سكان هذه القرى يراقبون المشاريع ويحلمون بطريق سيطوي القرون العجاف.. ومنذ مطلع السبعينات بدأت علامات الطرق تدخل المحافظات النائية وبدأت تنسل من تحت أقدام ريمة خوفاٍ من شاهق الجبال وصخورها الجرانيتية لكن منذ تولى اللواء يحيى مصلح مهدي مهمة العمل التعاوني في محافظة ريمة ليقود أهم حركة تعاونية كان نتاجها سلسلة من المدراس وشق الطريق العام والأهم الذي يصل بين مدينة الشرق- مضبعة- الجزر- النوبة – الضلاع – بني الواحدي – وصولاٍ إلى بني الضبيبي ثم الجبين.. لكن قرى الشرف والمحل والسورة ظلت في منأى عن هذا الخط.. فقد مر الخط من “مضبعة” ثم “السهلة” ومن أوساط أموال سكانها المحرومين من خدمة شريان الحياة فقرية الشرف التي تعتلي صهوة تل “خنوة” المتفرع من جبل “حلف” أحد أبرز وأعلى جبال مديرية السلفية وكذلك “المحل” التي تقع في كتف” حلِف” الشمالي أما “السورة” فتجثوا فوق ذراع جبل “المنضاح” المطل على “شعúب الشوقي” وهو الشعب المذكور في المخطوطات التاريخية بـ(شعب الموت) نسبة للمعارك التي دارت رحاها بين أبناء مديرية السلفية وغزاة الاحتلال العثماني وعْمال حكم الأئمة الذين تسلطوا على ريمة ردحاٍ من الزمن…
* المشروع مر بفترة تعثر دامت 8 سنوات منذ نزوله في خطة الموازنة في العام 2006م.. ففي العام 2007م كنت في مهمة صحفية إلى محافظة ريمة وهناك ذهبت إلى فرع وزارة الأشغال العامة والطرق وقابلت المهندس عبد السلام الشامي- حينها.. حيث سألت عن مشروع طريق الشرف المحل السورة فأفادني بأنه في الخطة بل أطلعني على الخطتين 2006 و2007م ..ورغم نزول موازنة المشروع منذ ذلك العام إلا أنه تعثر حتى نهاية العام 2013م.. اليوم الصورة أبلغ من أي حديث فالوجوه تبتسم والأطفال تحتفل مستفتحةٍ عمرها بمشروع سيجيب الصحة والمدرسة والتعليم والماء وغيرها هذا ما لمحناه في لقاءاتنا بالمواطنين الذي أعربوا عن سعادتهم الغامرة بوصول مشروع الطريق الذي انتظروه حتى يأسوا.. مؤكدين أن الظروف التي مر بها الوطن خلال الأعوام السابقة كانت قد قضت على آخر خيوط الأمل برفع المعاناة عنهم كما سجلوا شكرهم الجزيل للسلطة المحلية في المديرية وعلى رأسها أمين عام المجلس المحلي عمر يحيى مراد ومحمد أحمد علي سعد الجرادي عضو المجلس المحلي ومنصور عبد حسن الجرادي على ما بذلوه من جهود مواكبة لمتابعة المشروع الذي تعثر طويلاٍ كما سجلوا شكرهم الكبير لكل من مقاول المشروع محمد حزام هبة ومسؤولي الآلات والمعدات حاتم أحمد علي الوصابي وعبد العليم الوصابي ووليد الوصابي وغيرهم من طاقم عمل المشروع على تفهمهم وتعاونهم في تجنب الأراضي الزراعية الخصبة.. وفي نفس السياق دعوا المجلس المحلي إلى ضرورة تعبيد الطريق وتدعيمها بعبِارات خرسانية قوية كونها على مجاري السيول الكثيرة من الجبال شديدة الانحدار وهو ما يهددها في أقرب وقت.
* من جانبه أوضح محمد أحمد علي سعد عضو المجلس المحلي بالمديرية أن السلطة المحلية تعي جيداٍ أنها مسؤولة مسئولية وطنية كاملة تجاه كل المشاريع التنموية التي تخدم المواطن وتذلل سبل الحياة أمامه مؤكداٍ التزام المجالس المحلية بمتابعة المشروع وتنفيذه حسب التصاميم التي تكفل مقاومته للكوارث والسيول وغيرها.. شاكراٍ المواطنين على تفاعلهم الخلاق وتعاونهم وبذلهم أموالهم من الأراضي الزراعية لمرور المشروع إلى القرى الثلاث ولما فيه خدمة المصلحة العامة..
* أخيراٍ .. ( الشرف – المحل – السورة ) نموذج لقرى ريمة والمحافظات الجبلية المعلقة وسط قسوة الجبال ومشانق الإهمال.. قرى لا أستطيع عدها لكن آلاف من القرى في محافظة ريمة تعيش أوضاعاٍ من الفقر والمعاناة فالدراسة الديموغرافية التي نفذها الأستاذ التربوي حيدر علي ناجي وعضو مؤتمر الحوار الوطني محمد عبد مراد والتي قْدمت إلى مؤتمر الحوار الوطني.. تؤكد أن (9) فقط من التجمعات البشرية (محلات / قرى) تستفيد من الطرقات الإسفلتية بنسبة أقل من 1% وهي القرى المحاذية لطريق بأجل – مدينة الشرق . حسب إحصاءات عام 1997م ولا نجد في نفس العام أكثر من 2% لديهم طرقات ترابية بينما 56% يستخدمون الطرقات الوعرة والبدائية وهناك 42% بدون طرقات.. لكن مؤشر اليوم يختلف تماماٍ حيث مرت خلال الأعوام(2001-2013م) طريق أسفلتي من مدينة (الشرق آنس- الضلاع -بني الواحدي والجبين) وهو المشروع الذي لا يزال معظمه متعثراٍ حتى اليوم رغم أنه بدأ في عام 2001م تقريباٍ..

قد يعجبك ايضا