“صماد2” وما خُفي عظيم.. قراءة في سلاح الجو المُسيَّر اليمني

 

جميل أنعم العبسي

الصماد2 تخترق الأجواء السعودية وتقتحم أكثر من 1000 كم في العمق السعودي وتنفذ مهمتها بنجاح 100 % دون اكتشاف الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة لها، وشركة أرامكو تُقر وتعترف باندلاع الحرائق في إحدى مصافي الشركة في مقرها بالرياض عازيةً الأمر “لحادث عمل”.. لسنا بوارد الحديث عن العملية ذاتها بل سنغوص في تفاصيل سلاح الجو المسيَّر وأبعاد التطور “غير العابر” بكل المقاييس العسكرية والاستراتيجية، وما يشكله من صدمة عسكرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وما يدور حوله من الكثير من علامات الاستفهام والتساؤلات.
الصماد2 وأخواتها طائرات دون طيار متواضعة البُنية وغير معقدة التقنيات ورخيصة التكاليف، صُنعت لتلبية الغرض بعيداً عن كل مفردات الكلفة والتعقيد، وهذا يعزز أن تكاليف تصنيعها متواضعة وغير مجهدة للموازنة العسكرية التي تعمل بالحد الأدنى، والتي اتخذت لنفسها منهجاً متواضعاً “بالإرادة اليمنية” التي تعني توظيف المتاح والمتوفر لتلبية الغرض، وبدعم محلي من الشعب والقبائل اليمنية الذين يتوجب عليهم جميعاً اليوم أكثر من أي وقت مضى تعزيز “دائرة التصنيع العسكري وبرامج التطوير” بالدعم وتوفير ما أمكن لاستمرار إنتاج هذه الأسلحة وتطويرها وتحقيق معادلات الردع والاستنزاف للعدو.
الطائرة هي طائرة على كل حال، بجهاز طيران وبُنية وديناميكية التوجيه كما هو الحال مع أي طائرة في العالم، ومن الطبيعي أن تشابه تصاميم لطائرات رديفة لها في أي مكان بالعالم، إذ تتفق جميع مراكز البحوث والتطوير الجوي في جميع أنحاء العالم على الشكل الهندسي والبنية ومواد التصنيع لأي جسم صناعي طائر نظراً للحسابات الفيزيائية والتغلب على الجاذبية الأرضية والهواء مع اختلاف في التفاصيل والتقنيات الخاصة بها، لذلك من الواجب على الطائرة أن تتشابه إلى حد التطابق مع طائرات أخرى، وهذا رد على التشكيك بأن الطائرات إيرانية، نقول نعم طائراتنا ستكون غصباً عنها مطابقة للإيرانية وحتى الصينية والروسية وطائرات المقاومة في فلسطين المحتلة ولبنان، فلا يوجد هياكل للطائرات على شكل نمر أو إنسان مثلاً.
*هل حقاً اليمن تصنع الطائرات المسيرة؟ وكيف تم ذلك؟
حتى عام 2000م كانت أمريكا تحتكر صناعة وتطوير “دون طيار” ثم صارت الطائرات دون طيار لا تنتجها إلا ثلاثة أطراف هي أمريكا وبريطانيا والكيان الإسرائيلي، لكن في عام 2012م ظهر تقرير للكونغرس الأمريكي يقول أن هناك ما يقرب من 76 دولة تعمل على تطوير وتصنيع 900 نظام من نظم الطائرات بدون طيار، وتسربت البرامج البحثية للتطوير ووصلت لدول عديدة استطاعت امتلاك هذه الطائرات وتطويرها، ومنها الجزائر التي صنعت طائرة دون طيار جزائرية 100 % بعد رفض أمريكا بيع الجزائر هذا النوع من الطائرات.
مؤخراً قالت وزارة الدفاع الروسية تعليقاً على مهاجمة قاعدتها العسكرية في سوريا بطائرات مُسيَّرة أن برمجة وحدات التحكم في الطائرات دون طيار وإلقاء الذخائر عبر نظام تحديد المواقع، يتطلب الحصول على شهادة هندسة في إحدى البلدان المتقدمة.
يتذكر اليمنيون والعالم -ومنهم المشككون- ظهور الرئيس الشهيد صالح الصماد في ورشة التصنيع العسكري يوم تم الإعلان عن نماذج لطائرات يمنية دون طيار، يومها -وليس سراً على كل حال- ظهر عسكريون يمنيون أحدهم رفيع الرتبة مرتدين أقنعة تخفي ملامحهم، قاموا باستقبال الرئيس الشهيد الصماد ورئيس الحكومة بن حبتور وقيادات في الدولة ووزارة الدفاع في ورشة التصنيع، فضلاً عن قيام أحدهم بتشغيل إحدى تلك الطائرات، لم يكن أولئك الأبطال منتسبين للقوات الجوية والدفاع الجوي فحسب، بل كانوا المُهندسين لتلك الطائرات والمشرفين على تصنيعها وتطويرها، تماماً كما يحدث مع جميع الدول في العالم التي تُخفي هوية العقول المبدعة وعلماء الطاقة الذرية عن أنظار العالم، لأن أعين الأعداء تترصدهم، ومن هنا نفهم أن لليمن كوادر فنية وعسكرية وعقولاً مبدعة، كما نفهم بأن الخائن هادي وقبله زعيم ميليشيا الخيانة كم كانوا في قمة الانحطاط والانبطاح للخارج على حساب الحرية والكرامة والازدهار، ويكفي أن نعلم موقف هادي وكل خائن اليوم من هؤلاء المبدعين الأبطال، هو الموقف العدائي والرغبة بالتصفية وشطب الإبداع خدمة للصهاينة وقتلاً لأي فرص للنهوض العسكري والاقتصادي للبلد، بغض النظر عن أي حسابات سياسية أو غيرها، فقواميس الإبداع لا تستوعب أي مبرر لقتلها، وأن تكون معادياً لهذه العقول يعني أنك خائن مهما كان الأمر، خائن بكل مفردات الوطنية والانتماء والعقيدة.
إذاً، شهادة هندسة في إحدى البلدان المتقدمة، إضافةً لنموذج برنامج بحثي ونماذج من محركات وأجهزة الطيران تفي بصنع طائرة دون طيار لمهام استطلاعية وهجومية عسكرية متواضعة كالتي أصبحت تمتلكها بلادنا اليمن، إضافة لإرادة يمنية وطنية ظهيرها شعب الصمود والتضحيات والمدد والإسناد، وما تبقى هو تنفيذ المهام التي تتطلب فقط مجاميع من الغزاة والمرتزقة ومواقع عسكرية معادية لتجربة المنتج اليمني الجديد واختبار أدائه وفاعليته في الميدان.
*كيف حصل ذلك في غضون فترة وجيزة؟
نستطيع القول الآن وبما لا يدع مجالاً للشك -بغض النظر عن مدى تطور المنتج- أن الجمهورية اليمنية دخلت نادي تصنيع طائرات بدون طيار، ويعود سبب سرعة الإنجاز النوعي لعدة عوامل، أهمها تعرض البلد وشعبه لضغط هائل مبني على أساس القوة والغطرسة، بخلاف ما يصوِّر العدوان أنه يواجه شريحة بسيطة ومصغَّرة، عقاباً للملايين بلا هوادة، ومزاعم بالحرب على فئة صغيرة، هذا الغرور ارتد عكسياً، مولداً إبداعا منقطع النظير اجتمعت فيه جميع عناصر وعوامل النجاح.
إذاً، إبداع من رحم المعاناة، والحاجة أم الاختراع كما يقال، أن ترى بأم عينك مجازر وجرائم وحشية يومية مضافاً إليها حصار اقتصادي شامل يجبرك على تحمل المسؤولية، ليس ذلك كل شيء، بل عقول يمانية تم سحقها وتهميشها لعقود من حكام الظلام والكهنوت المنبطح للرجعية العربية والغرب الاستعماري، والعنصر الأهم إرادة يمنية تقهر المستحيل، وقبائل أصيلة لشعب هو الوحيد من بين شعوب العالم يتحول إلى جيوش عسكرية واقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية، نساء وأطفال وشِبة وشُبان ورجال، يُسطِّرون ملاحم العزة والكرامة على إيقاع موحد بزوامل يمنية خالدة وأصيلة “قسم ما ننحني”، يضبطها مايسترو قائد يُجيد استعمال مفردات كيف ومتى وأين، فكانت مؤسسة دفاعية شعبية متكاملة.
عوامل استثنائية جعلت ما نراه اليوم وكل يوم، لا ولم ولن نشاهده لا اليوم ولا الغد ولا في أي بقعة من بقاع الأرض، حتى اليابان لم تتلق ما تلقته اليمن في هذا العدوان ومن قبله من قتل لأي فرص للنهوض، تحطيم حتى على المستوى النفسي والمعنوي، ونهضة اليابان كانت على أرضية مُهيئة ومُعدة مسبقاً، بخلاف اليمن المعتمد فقط على الإرادة والثقة بالله وبأصالته وهويته، لذلك نراه فقط في اليمن، ويحدث ذلك أمام أنظار العالم مهما بلغت درجات التعتيم والتعامي والتجاهل، ويكفي أن نعرف أن أغنى وأكبر الدول المنخرطة في العدوان على اليمن أرضاً وانساناً تراوح مكانها للعام الرابع على التوالي برغم الرغم كماً ونوعاً عسكرياً واقتصادياً وإعلامياً ومن يقول غير ذلك عليه تقديم أي أعذار لا يسخر منها المنطق، بعدما كان الهدف تحقيق المهمة خلال أسبوع أو أسبوعين من بدء العدوان، فارتد الفشل ارتداداً عكسياً وبزمن قياسي.
*برنامج تصنيع طائرات دون طيار اليمني
في السادس والعشرين من فبراير/شباط 2017م، أضافت دائرة التصنيع العسكري في وزارة الدفاع اليمنية “برنامج تصنيع طائرات بدون طيار” إلى برامج التصنيع التقليدية التي تتبناها الدائرة، معلنةً تحقق ذلك على أيدي ثلة من الرجال المبدعين المجاهدين متخطين مختلف الصعوبات والعقبات، متجاوزين ضعف الإمكانيات، مزيحةً السِتار بعد أشهر طوال في الميدان للتجارب والاختبار، عن أربع نماذج، هي قاصف1 الهجومية، وثلاث أخريات استطلاعية، هدهد1، رقيب، راصد.
وفي الثامن عشر من يوليو 2018م، أعلن سلاح الجو المسير عن عملية استهداف مصافي أرامكو في العاصمة السعودية الرياض بطائرة مسيَّرة طراز الصماد2.
والباب اليوم مفتوح على مصراعيه لمفاجآت إنتاجية أخرى، قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى لمهام متعددة بعد نجاح النماذج السابقة على الأرض وإثبات جدارتها بالنظر إلى تواضعها.
فاعلية ومميزات سلاح الجو المسيَّر اليمني
على الرغم من تواضع برنامج تصنيع الطائرات اليمني، إلا أن الميدان أثبت فاعلية غير متوقعة، هذا التواضع أضاف مميزات من نواحي أخرى، فهذه الطائرات بشكل عام وطائرة الاستطلاع هدهد1 بشكل خاص تتميز بصغر حجمها وصغر المقطع الراداري وصغر كمية الإشعاع الحراري الأمر الذي يصعب على صواريخ الدفاع الجوي اكتشافها وتعقبها، كما أن بصمتها الصوتية قليلة، الأمر الذي يحول دون سماع أزيزها في جو المعركة.
ساد اعتقاد لدى الغزاة والمنافقين بعد ازدياد فاعليتها أن هذه الطائرات لا تعمل في النهار لاعتقادهم بأن العمليات تتم وفق معلومات ترسلها الكاميرات قبل تنفيذ الهجوم، ما لا يمكن أن يُتاح ليلاً، وهذا اعتقاد ستثبت الأيام عدم صحته، والسبب أن الطائرات الاستطلاعية مزودة بكاميرات التصوير الحراري وتستطيع نقل معلومات المعركة والأهداف في جُنحِ الظلام.
النظام الخاص بالمسح الجغرافي ورسم الخرائط والمراقبة اللحظية لميدان المعركة، والتصحيح المباشر للنيران، وتحديد إحداثيات تجمعات وعتاد العدو، وأنظمة الرصد والتعقب باستخدام الليزر، وغيرها من مزايا وخدمات تُعد إضافة نوعية تُجيب عن تساؤلات عديدة حول أسرار كفاءة التعامل العسكري مع عمليات كسر الزحوف والعمليات الهجومية والاستنزافية بالعمليات المدفعية والصاروخية.
هناك مميزات هامة تتمثل بصغر المحطات الأرضية المُديرة للعمليات، ونُظم الاتصالات والتوجيه والتحكم، وهذا مفيد جداً للحيلولة دون اكتشافه واختراقه، بالإضافة لإمكانية البرمجة المسبقة بتوجيه نقاط ومسار تسير عليه الطائرة لتنفيذ مهام معينة بحسب طبيعة الهدف.
*تكاليف تشغيلية وتصنيعية زهيدة
تبلغ تكلفة ذخيرة طائرة F16 في الطلعة الجوية الواحدة 40 ألف دولار أمريكي، وتكلفة كل ساعة تحليق لها بدون عمليات قتالية 30 ألف دولار أمريكي، مع العلم بأن خسائر العدوان تصل إلى 200 مليون دولار في اليوم الواحد فقط، كما تصل تكاليف تشغيل وعمليات الطائرات المشاركة بالحرب إلى نحو 230 مليون دولار شهرياً، فيما تقارب نفقات قمرين اصطناعيين للأغراض العسكرية ما يعادل 5.5 مليار دولار خلال 3 أعوام، كلفة باهظة أجهدت خزينة أغنى الدول في المنطقة حتى باتت تُضيِّق على العمالة في أراضيها وبدأت الشركات بمغادرتها، لكن، ماذا عن دخول اليمن النادي الجوي، التكاليف لابد منها في أي حرب، لكن في النموذج اليمني لن تكون تلك التكاليف الفلكية حاضرة، فبرنامج تصنيع الطائرات اليمنية في دائرة التصنيع العسكري بُني على ركائز أهمها توظيف المتاح والموجود وبأقل التكاليف التصنيعية والتشغيلية، فتكاليف تحليق F16 لساعة واحدة فقط تكفي لصنع وتشغيل خمس طائرات يمنية ليوم كامل، وتكلفة ذخيرة F16 لطلعة جوية واحدة تكفي لتسليح 50 طائرة يمنية برؤوس شديدة الانفجار صُنعت في اليمن أيضاً.
هذه الطائرات تعمل بنوعين من المحركات، الأول كهربائي والثاني بالبنزين، نعم بالبنزين، وتشغيلها ديناميكي وإلكتروني غير معقد، ولا تحتاج لنظم اتصالات مرتبطة بالأقمار الاصطناعية.
ورغم التكاليف التشغيلية المتواضعة جداً، لكن القدرة والفاعلية تتحدث عن نفسها، فـ “الصماد2” بإمكانها التحليق على ارتفاع يصل لأكثر من 20 ألف قدم أي ما يعادل قرابة الـ 6 كم، وبإمكانها التحليق لأكثر من 24 ساعة دون الحاجة إلى التزوُّد بالوقود، مع قدرتها على حمل صاروخين بقدرات تدميرية كبيرة، مع العلم أن محرك طائرة “قاصف1” يعمل على البنزين، ويصل زمن تحليق “قاصف1” في الجو لـ120 دقيقة، ويصل مداه لـ 150 كم، ويزن حمولة الرأس الحربي المتفجر لها 30 كجم، هذه المواصفات تفي بالغرض لتنفيذ عمليات هامة تغيَّر في المعادلات الاستراتيجية.
لا يخفى على أحد قدرة اليمن على تصنيع المتفجرات وتكييفها مع طبيعة المهام، فمنها ضد الأفراد، ومنها ضد التحصينات والمنشآت، والتجربة والخبرات الميدانية المتراكمة صنعت مؤسسة تصنيعية عسكرية أجادت التعامل الأمثل مع كل الأهداف، وفي الحالة اليمنية ليس هناك الحاجة لعقد صفقات لشراء الذخائر بملايين الدولارات كما تفعل دول العدوان دورياً، فيكفي معرفة المهمة وطبيعتها لاختيار أمثل الذخائر لها.
الأمر المخيف للعدوان ومرتزقته والمقلق للغرف العسكرية التي تدير العدوان من تل أبيب وواشنطن ولندن هو رخص هذه الطائرات مقارنة مع أي هدف يمكن استهدافه، وهذا أمر سيقف عنده الكثير ويحسب له ألف حساب وحساب، بل سيصبح محط اهتمام للأكاديميات العسكرية ومراكز البحوث في العالم نظراً لجدوائيته الاقتصادية والعملياتية، وللتوضيح يمكنك تخيل أن تقوم دول العدوان مثلاً بإطلاق صاروخيّ باتريوت ذات قيمة تصل لـ7 ملايين دولار لإسقاط طائرة لايتجاوز سعرها 1000 دولار، وهذا ما علَّق حوله الجنرال الأميركي “ديفيد بيركنز” في ندوة عسكرية للجيش الأمريكي، حيث قال الجنرال: “إنّ إحدى الدول الحليفة والمقربة للغاية، أطلقت صواريخ باتريوت، والتي يبلغ ثمن الصاروخ الواحد منها 3,4 مليون دولار، ضد طائرات بدون طيار يبلغ ثمن الواحدة 200 دولار”، وأضاف “لو كنتُ عدواً، لأطلقت أكبر عدد من الطائرات الصغيرة لاستنزاف صواريخ الباتريوت لدى الدولة الأخرى”.
إذاً، طالما أنها “دون طيار” فما من قيود ومخاوف وضغوط على حياة الطيار، ولا مانع أساساً من اعتبار الطائرة “انتحارية” أمام أهداف ثمينة والحصول على جائزة إضافية تتمثل باستنزاف صاروخيّ باتريوت، هذا بحال اكتشافها فقط، أما الجائزة سيتم توفيرها في مناسبة أخرى، من هنا نفهم القلق الزائد من استخدام هذه الطائرات بحسب اعتراف ناطق العدوان “تركي المالكي”، فالأمر محرج على ثلاثة أصعدة، الإحراج العسكري بحال اكتشافها والتعامل معها، الفضيحة العسكرية بحال عدم الاكتشاف، وثالثة الأثافي الكلفة الاقتصادية بكلا الحالتين.
ماذا يمكن أن تصنع هذه الطائرات؟
قد يرى بعضهم أن عدداً من القنابل والانفجارات وقليلاً من الرصد لن يصنع معادلة أمام جيوش غنية ولن يُغيِّر في المعادلات الاستراتيجية أي رقم أمام تفوق عسكري شامل، وهذا الاعتقاد يُغيِّب الكثير من حقائق لا يمكن تجاهلها، أهمها أن من يعجز عن تحقيق أي إنجازات أمام قوات معزولة تماماً عن مميزات الجو كيف له أن يحققها وقد تمكنت القوات المواجهة له من كسر العزلة الجوية وأصبحت تتمتع بمزايا ترفع من قدرتها على التعامل الهجومي والدفاعي وبفاعلية أكبر من السابق بأضعاف.
أيضاً زمن المواقع والتجمعات العسكرية والتدريبية المكشوفة قد ولَّى، وزمن التحركات المؤللة والراجلة بكل أريحية قد رحل، فلم تعد تجمعات الغزاة والمنافقين تجرؤ على الظهور بتجمعات كبيرة ومكشوفة معتمدة على سيطرتها الجوية الكاملة، الأمر الذي يُقيِّد حركتها ويجبرها على اتخاذ تدابير التمويه من سلاح الجو المسيَّر، ما يسلبها مساحة حرية وحركة واسعة كانت تتمتع بها من قبل.
ولنا أن نتخيل، بأن طوال ثلاثة أعوام كانت قوات الجيش واللجان الشعبية تتصدى للهجمات والزحوف وتنكل بها وهي شبه عمياء، وكانت تهاجم وتسيطر على المواقع وهي شبه عمياء محرومة من مميزات الجو، فكيف ستكتسح المربعات إذا ارتد بصرها إليها، وبالمثل وحدة القوة الصاروخية وسلاح المدفعية والهاونات كانت تستهدف تجمعات الغزاة والمنافقين بفاعلية على إحداثية تقريبية وأحياناً تخمينية، فكيف ستبطش بالتجمعات اليوم بعد توكؤها على عصا الطيران المُسيَّر وتلقيها إحداثية بالمليمتر، هذا ينطبق أيضاً على تغيير وحماية المعابر وطرق الإمداد والمشاة ومخططات القطع والعزل التي ستكون على أكمل وجه، كما حدث في الساحل الغربي، إذاً، هذا سينعكس بإيجابية كبرى على الصعيد العملياتي للقدرة والفاعلية بأداء جميع وحدات الجيش واللجان الشعبية وتكاملها على الأرض.
أما على الصعيد الاستراتيجي، يستطيع سلاح الجو المسيَّر القيام بمهام وعمليات بالغة الأهمية، نسرد منها جزءاً، ونترك أجزاء على الميدان والمفاجآت.
يستطيع سلاح الجو المسير أن يتحول لـ “كاميكاز” القرن بالهجوم الانتحاري على الأساطيل والبارجات والفرقاطات العسكرية وسفن العدوان النفطية في البحر بكل سهولة، وإن تعذر إدارتها مباشرة وكأعقد الظروف وأسوأ الاحتمالات يمكن تنفيذ تلك العمليات عن طريق البرمجة المسبقة لتنطلق حتى من وسط العاصمة صنعاء أو ذمار إلى البحر وتلقي نفسها على سفن العدوان النفطية دون أي مقاومة، لتصل أسعار النفط إلى درجات قياسية وتشتعل معها أزمة عالمية ينصاع بعدها العدوان والعالم المادي لمنطق المال والقوة، برمجة مسبقة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي بتحديد نوع السفن وشكلها بالنسبة للسفن النفطية، وتحديد المياه الإقليمية بالنسبة للسفن العسكرية.
يستطيع سلاح الجو المسير إخراج منظومة باك-3 الأمريكية عن الخدمة في منطقة ما بالتشارك مع القوة الصاروخية، الأهم في هذه الجزئية المشتركة إمكانية الإيقاع بمنظومات الباتريوت بشباك الرصد والتصيُّد أثناء محاولة اعتراض هجوم للقوة الصاروخية فتنكشف أماكن حساسة لهذه البطاريات ومجمعاتها الهامة لسلاح الجو المسيَّر الذي ينتظرها بفارغ الصبر للانقضاض عليها، ليس ذلك فقط بل أشياء مذهلة ستذل المنظومات الدفاعية الأمريكية وغير الأمريكية، ويخطئ من يعتقد أن طائرات سلاح الجو المسيَّر اليمنية هدف سهل فهي بأبعادها الصغيرة ومقطعها الراداري الصغير وسرعة تحليقها المنخفضة وعلوها المنخفض ليست هدفاً سهلاً للرصد لجميع تقنيات الرادار سيما في ظروف قدرتها على التشويش والتضليل.
كما يستطيع سلاح الجو المسيَّر إخراج منشأة حيوية عن الخدمة بالهجوم بعدد محدود من الطائرات تهاجم أماكن حساسة في هذه المنشآت، كما حدث في عملية أرامكو التي كانت مجرد “رسالة” و “تجربة”.. كما تستطيع تنفيذ عمليات نوعية لتصفية قيادات الغزاة والمنافقين أو تنفيذ مهام استطلاعية بالغة الحساسية في العمق ستكشف للعالم حجم القدرات العملية الجبارة لهذه الطائرات رغم تواضعها.
هناك الكثير من المهام بإمكان سلاح الجو المسير فعله بما ظهر عليه من قدرة وفاعلية حتى اليوم، رغم كونه في طور ابتدائي، ومن المؤكد أن ما بعد استشهاد الرئيس الصماد ليس كما قبله، الصماد2 تقول ذلك أيضاً بعد ظهورها ليس كما قبله، وهناك الكثير من المفاجآت قادمة لا محالة، وحقٌ للشعب أن يفخر بهذا، وحقٌ عليه أن يحتضن برنامج تصنيع الطائرات في دائرة التصنيع العسكري بالدعم والمؤازرة ليتشارك مع سلاح الجو المسيَّر نصرٌ صنعناه جميعاً بأيدينا وجوارحنا، أليس حقاً على الله نصر المؤمنين، إي وربي إنه لحقٌ وما هم بمعجزين.
الخلاصة..
ما عجز عنه تحالف العدوان في زمن حرمان الجيش واللجان الشعبية من مميزات الجو، لن يحققه في زمن الحصول على تلك الامتيازات تصاعدياً.
والتسبب باستنزاف اقتصادي مميت، والتأثير على المسار العسكري بفاعلية في الميدان، مهام يتخصص بها سلاح الجو المسير، ويسعدنا كثيراً إنكار القدرة على ذلك من الغزاة ومنافقيه والسخرية منه، حتى تكون حجم الخيبة والانكسار قاتلةً لهم، وهذا عامل نفسي ومعنوي مهم يضاف لإنجازات سلاح الجو المسيَّر.
وفرق القبَّعات الخضراء من القوات الأمريكية الخاصة التي فشلت في إنقاذ سمعة الباك-3 الأمريكية من صفعات القوة الصاروخية، لن يكون لها أي حظوظ باجتماع الصاروخية وسلاح الجو المسيَّر، وسنرى قريباً الإعلان عن فرق من القبَّعات الملونة الحمراء والصفراء والسوداء، للتعامل مع الهجمات المشتركة والهجمات الانتحارية والهجمات الاستطلاعية وهجمات الاستنزاف، وعليها التحضير لمشاهدة سلسلة مثيرة من التسللات والاختراقات.
ومن اليوم فصاعداً سنرى علامات “الفشل المزعوم لطائرات اليمن” ظاهرةً للعالم باستجلاب أفواج برية وجوية وبحرية، وأفواج مدنية، وأفواج هندسية للتعامل مع تبعات الهجمات الجوية والاستنزاف الاقتصادي المميت، سنراها بعقد صفقة تلو صفقة لاستجلاب منظومات روسية وأمريكية أحدث، وسنراها ببيع شركة أرامكو ورهن أخريات، وزمن الراحة والرفاهية والنوم في العسل قد ولَّى، وعلى أمريكا وبريطانيا والكيان الصهيوني وغيرهم الحضور للميدان وقيادة المعركة بأنفسهم.
علامات الحقيقة المؤلمة ستكون ماثلة للعيان، وهذه إحدى آيات الحق المُبين، أن يُبهت القوم الظالمون على أيدي المستضعفين، ليس في المجال العسكري فقط، وهنا نقطة أخيرة يجب التذكير بها، فالذكرى تنفع المؤمنين، هي أن النصر والغلبة والتمكين ليس باقتناء السلاح المتطور في الأرض أو السماء، لأن الله ملك السماوات والأرض وما لنا من دونه من وليِّ ولا نصير، لكن النصر لا يأتي إلا بالإعداد والإنفاق والجهاد والنفير والحركة، يقول الله سبحانه وتعالى: “وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ”، ميثاق الله تعالى لعباده المؤمنين بالنصر بحال الحركة والعمل.
صحيح اليوم لدينا إضافة نوعية متمثلة بقدرات عسكرية جوية وفاعلية ملموسة على الأرض، لكن الله سبحانه وتعالى يقول: “وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”، لذلك فهم المعادلات الإلهية مرتكز أساسي للنصر، فقد نصرنا الله تعالى من قبل أن نعرف سلاح الجو المسيَّر في مواطن كثيرة، نَصَرَنا حين كانت قواتنا عمياء مسلوبة من مميزات الجو، كما نصر من قبل المسلمين بقيادة “الإمام علي عليه السلام” وهو “أرمد” في خيبر وكان قبله أصحاء لم ينجحوا، وبالمثل الغرور والعُجبة بالكثرة أو السلاح النوعي لن يصنع لنا أي شي، وحده التوكل على الله تعالى والثقة به والاستجابة له بالإعداد والتحرك الجاد بالنفير بالأموال والأنفس خفافاً وثقالاً سيجعل السلاح النوعي وغير النوعي عصا موسى التي يفلق بها المجاهدون جموع وحشوداً وأرتالاً مزودة بالأحدث والأقوى والأفتك، وكما لقَّنت فوهات كلاشنكوف الحُفاة دروساً لفوهات مدافع الإبرامز والأباتشي، وكما أحرقت “قداحات” الشُعث أرتال أحدث المجنزرات والمدرعات، ستلقِّن فوهات سلاح الجو المسيَّر دروساً لقاذفات ومنصات البر والبحر والجو وستحرق خزائن النفط وأعمدة الغطرسة والاستكبار، هذا المهم والأهم.. وبالله وحده الجبار القهار، شعبُ الإيمانِ آمنَ بهِ وأَنابَ لهُ وتَوَكَّل عليهِ وبهِ يثقُ ويستعينْ، نِعم المولى ونِعم النصير، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

قد يعجبك ايضا